فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ
فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ
مشهد الطريق: {فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فمضوا إلى جنتهم وهم يتشاورون بينهم سرّاً يُخفون كلامهم؛ وروى عن ابن عباس وقتادة أن التخافت إسرار الحديث. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين، على أنهم كانوا يتسارّون لئلا يسمعهم أحد من المساكين. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الخفت» خفض الصوت؛ ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا}. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين من سورة القلم، إلى أن ذكر التخافت في هذا الموضع من دقيق التصوير النفسي؛ إذ يدل على أنهم كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم بقبح ما يصنعون؛ ولو كانوا يرونه حقاً لجهروا به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتابع المشهد: تنادوا، فقالوا، فانطلقوا؛ وكل آية خطوة. ثم تأتي الآية التالية لتكشف مضمون تخافتهم: {أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ}؛ فالنظم يبني التشويق ثم يفصح. وفي هذا الموضع دلالة على أن السورة لم تكتف بذكر الفعل بل عرضت الحال النفسية المصاحبة له؛ وهذا يخدم مقصد السورة في ربط التكذيب بفساد الخُلق؛ إذ تبيّن أن منع الحق يقترن دائماً بشعور داخلي بالقبح يُدفن بالإسرار.