فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
تفويض الأمر إلى الله وتهديد بالاستدراج: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ ۖ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فدعني يا محمد ومن يكذّب بهذا القرآن، أنا أكفيكهم؛ {سَنَسْتَدْرِجُهُم} أي سنأخذهم قليلاً قليلاً من حيث لا يشعرون. وذكر عن أهل التأويل أن الاستدراج أن يُجدَّد لهم عند كل معصية نعمة ويُنسَوا الاستغفار. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الرابعة والأربعين، على أن الاستدراج إسباغ النعم عليهم مع إقامتهم على المعاصي حتى يظنوا أنهم على شيء ثم يؤخذون بغتة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن أصل الاستدراج من الدَّرَجة؛ فكأنه يُنقل من درجة إلى درجة حتى يبلغ الهاوية. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الرابعة والأربعين من سورة القلم، إلى أن قوله {فَذَرْنِي} تعبير عن تولي الله أمرهم بنفسه؛ وهو غاية في تسلية النبي ﷺ وفي تخويفهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الفاء مفرّعة على ما تقدم من إبطال حججهم وعرض مصيرهم؛ فكأن المعنى: إذا كان هذا حالهم وذلك مآلهم، فدعني وإياهم. ثم تأتي الآية التالية تتمة للتهديد: {وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}. وفي التعبير بـ{هَٰذَا الْحَدِيثِ} صلة بمطلع السورة؛ فقد قالوا عن الآيات {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}؛ فسُمّي هنا «الحديث» في مقابلة تسميتهم إياه «أساطير»؛ فالمقابلة بين لفظين من بابين: الحديث الجديد الصادق، والأساطير القديمة المكذوبة.