مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
هذا جواب القسم، وهو المقصود الأول من الافتتاح: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ما أنت يا محمد بإنعام الله عليك بالنبوة والرسالة والحكمة بمجنون كما يقول المشركون. وذكر أن قريشاً كانوا يقولون للنبي ﷺ: إنك مجنون، وإن الذي يأتيك رئيّ من الجن؛ فأنزل الله هذه الآية تكذيباً لهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثانية من السورة، على أن هذا ردٌّ لما رماه به المشركون من الجنون، وأن قوله {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} في موضع الحال، أي: منعَماً عليك. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} اعتراض بين النفي والمنفي جيء به للتنويه بمقام النبي ﷺ. وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية من سورة القلم، أن هذا من أوائل ما نزل في الرد على مقالتهم، وأن اختيار وصف الربوبية مضافاً إلى ضمير النبي ﷺ {رَبِّكَ} فيه تلطف به وتذكير بأن الذي رباه ورعاه لا يدع أمره لأقوال الجاهلين. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير مطلع السورة، إلى أن نفي الجنون عنه نفي لأعظم ما يُقدح به في الرسالة؛ إذ لو صحّ لبطل كل ما جاء به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً للقسم في الآية قبلها، فارتبطت بها ارتباط الجواب بشرطه. ثم إنها مهّدت لما بعدها ترتيباً منطقياً: نفي النقص أولاً ({مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ})، ثم إثبات الأجر ({وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ})، ثم إثبات الكمال ({وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}). فالسياق يصعد درجة درجة. وفي وضع {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} بين النافي والمنفي لطيفة نظمية: فلم يقل «ما أنت بمجنون بنعمة ربك»، بل توسط ذكر النعمة ليعترض بين التهمة وصاحبها حائل من التشريف؛ فكأن التهمة لم تصل إليه حتى ردّتها النعمة.