مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
تنتقل الأوصاف من اللسان إلى المال والحق: {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ} هو البخيل الذي يمنع ما لديه من الخير، وقيل: هو الذي يمنع أهله وولده من الإسلام؛ وذكر القولين وأن اللفظ يعمّهما. وأن {مُعْتَدٍ} هو المتجاوز للحدّ في الظلم، و{أَثِيمٍ} هو الآثم المكتسب للإثم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثانية عشرة، على أن هذه الأوصاف الثلاثة تجمع منع النفع وإيقاع الضرر وملازمة المعصية. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الخير» في لسان العرب يُطلق على المال وعلى الإسلام وعلى كل نفع؛ فمنع الخير يشمل ذلك كله. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة القلم، إلى أن هذه الأوصاف مترتبة ترتباً طبيعياً؛ فمن بخل بالخير آل به البخل إلى الاعتداء على حقوق غيره، ومن اعتدى صار الإثم له عادة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتمة لسرد الأوصاف؛ وقد بلغت هنا ستة، وستكتمل تسعة في الآية التالية. والترتيب الداخلي في هذه الآية بديع: منع الخير (ترك للمعروف)، ثم الاعتداء (فعل للمنكر)، ثم الإثم (استقرار الحال). فانتقل من العدم إلى الوجود إلى الوصف اللازم. ويتصل هذا بقصة أصحاب الجنة التي ستأتي في السورة؛ فإن مدارها على منع الخير عن المسكين؛ فكأن الآية وضعت العنوان، والقصة ضربت المثل.