فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ
فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ
يبدأ مشهد الصباح وهم لا يعلمون: {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فنادى بعضهم بعضاً حين أصبحوا؛ وذكر أن التنادي تفاعل من النداء يقتضي المشاركة؛ فكان بعضهم يوقظ بعضاً ويحثه على الخروج. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين، على أنهم نادى بعضهم بعضاً في وقت الصباح ليخرجوا إلى حرثهم مبكرين كما عزموا. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن في هذا الموضع بلاغة عجيبة؛ إذ صوّرهم في نشاط وحركة وهم في حقيقة الأمر يسعون إلى خراب. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من سورة القلم، إلى أن إعادة لفظ {مُصْبِحِينَ} هنا بعد وروده في قسمهم من قبيل التذكير بالوعد الذي قطعوه على أنفسهم؛ فقد أصبحوا فعلاً، ولكن على غير ما أرادوا.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا المشهد بعد الإخبار بما وقع للحديقة؛ فحصل في النظم ما يُسمّى بتقديم المآل على الحركة؛ إذ عَلِم السامعُ ما جهله أصحابُ الجنة. وهذا بناء قصصي محكم؛ إذ يجعل القارئ يشاهد سعيهم وهو يعلم مصيره، فيتضاعف أثر المفارقة. ثم يأتي بعدها نصّ ندائهم: {أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ}، ثم انطلاقهم: {فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ}، ثم تخافتهم: {أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ}، فمشهد المعاينة: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ}. فالنظم يتدرج على خطوات المشهد الواحد بترتيب زمني دقيق.