قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ
قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ
اعتراف أشد وأصرح: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: قالوا: يا هلاكنا، إنا كنا متجاوزين حدّ الله في منع حق المساكين. وذكر أن {يَا وَيْلَنَا} كلمة يقولها العرب عند وقوع الهلكة والمصيبة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الحادية والثلاثين، على أن الطغيان مجاوزة الحد؛ فاعترفوا بأنهم تجاوزوا ما أُذن لهم فيه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الفرق بين قولهم أولاً {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} وقولهم هنا {إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ} أن الظلم أعم والطغيان أخص وأشد؛ فترقّوا في الاعتراف. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن هذا الترقي في الاعتراف من علامات صدق التوبة؛ فإن التائب كلما ازداد بصراً بذنبه ازداد اعترافاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأتي هذه الآية بعد التلاوم؛ فكأن اللوم المتبادل انتهى بهم إلى إقرار جماعي لا يُستثنى منه أحد. وهي أعلى درجة في سلّم اعترافهم؛ إذ بدأوا بـ{مَحْرُومُونَ}، ثم {ظَالِمِينَ}، ثم {طَاغِينَ}. ثم تأتي الآية التالية بالرجاء: {عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ}؛ فالنظم يجري على ترتيب التوبة: تنزيه، فاعتراف، فترقٍّ في الاعتراف، فطلب البدل. وهذا يتصل بمقصد السورة؛ إذ سيقال بعد قليل: {كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}؛ فالقصة كلها إنذار بأن ما وقع لهؤلاء أُنموذج لما يقع لغيرهم.