وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ
وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ
ينتقل النهي من العموم إلى تعيين صنف موصوف: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ولا تطع يا محمد كل كثير الحلف بالباطل، حقير الرأي والقدر. وحكى عن أهل التأويل في تعيين المقصود أقوالاً؛ فقيل: هو الأخنس بن شريق، وقيل: الأسود بن عبد يغوث، وقيل: الوليد بن المغيرة؛ وذكر أن الأولى ترك التعيين؛ لأن الله وصف ولم يسمّ، والحكم عام في كل من اتصف. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية العاشرة، على أن هذه الصفات وإن نزلت في معيّن فالعبرة بعموم اللفظ. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن «الحلّاف» صيغة مبالغة لا تُطلق إلا على من أكثر الحلف، وأن كثرة الحلف دليل على قلة المبالاة بالله. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة القلم، إلى أن الوصف بـ{مَّهِينٍ} بعد {حَلَّافٍ} تعليل خفيّ؛ إذ لا يُكثر الحلف إلا من سقطت مروءته فاحتاج إلى اليمين ليُصدَّق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): عُطف هذا النهي الخاص على النهي العام في الآية الثامنة؛ فبعد {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} جاء {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ}. وهذا من عطف الخاص على العام للاهتمام بشأنه. وستتوالى الأوصاف في الآيات (11 - 14) بلا عطف بينها؛ فتشكل صورة متكاملة لخصم الدعوة. ويتصل هذا المقطع بما قبله من وجه آخر: فقد شُهد للنبي ﷺ بـ{وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، ثم عُدّدت هنا رذائل خصمه؛ فوقعت المقابلة بين خُلق عظيم واحد وتسع رذائل مجتمعة.