أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
يبدأ مقطع المحاجّة باستفهام إنكاري: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أفنجعل الذين أسلموا لله وأطاعوه كالذين أجرموا وكفروا به؟ وذكر أن هذا إنكار على المشركين الذين كانوا يقولون: إن كان ثمّ بعث فسيكون لنا من الخير مثل ما للمؤمنين أو أفضل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الخامسة والثلاثين، على أن هذا إنكار عليهم فيما توهموه من التسوية؛ وأن الله بحكمته لا يسوّي بين المستقيم والمعوجّ. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا رد على من زعم من المشركين أنه إن بُعث كان له في الآخرة مثل ما في الدنيا من الحظ. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن التسوية بين المسلم والمجرم قدح في حكمة الله وعدله؛ فإن ذلك يقتضي تعطيل الجزاء وإبطال الشرائع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تفتتح هذه الآية سلسلة من الاستفهامات الإنكارية تمتد إلى الآية السابعة والأربعين، تُغلق على المكذبين كل باب يحتجون به. وقد تهيأ لها السياق بذكر جزاء المتقين قبلها؛ فلما تقرر أن للمتقين جنات النعيم، جاء السؤال: أفيستوي هؤلاء مع أولئك؟ ثم تتوالى الحجج: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، ثم {أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ}، ثم {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ}، ثم {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ}، ثم {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}، ثم {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}. فالنظم يسير على منهج المناظرة: دعوى، فمطالبة بالدليل، فسدّ لكل مسلك.