فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ
مشهد التلاوم بينهم: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: فأقبل بعضهم على بعض يلوم بعضهم بعضاً على ما فرط منهم من العزم على منع المساكين. وذكر أن كل واحد منهم كان يقول لصاحبه: أنت الذي أشرت بهذا، أنت الذي حملتنا عليه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثلاثين، على أن التلاوم كان على ما وقعوا فيه من المخالفة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا اللوم لا ينفع في رد ما فات، لكنه يدل على أن النفوس رجعت إلى فطرتها. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثلاثين من سورة القلم، إلى أن التعبير بـ{فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} يصور حركة الالتفات بعد أن كانوا متجهين نحو الحديقة؛ فتحوّل الاتجاه من المال إلى الأنفس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأتي هذه الآية بعد التسبيح والاعتراف الجماعي؛ فقد اعترفوا أولاً بلفظ الجمع {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}، ثم انصرفوا إلى تحميل بعضهم بعضاً. ثم يعودون في الآية التالية إلى الاعتراف الجماعي الأشد: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ}. فالنظم يرسم تذبذب النفس: اعتراف، فمحاولة تخفيف بإلقاء التبعة، فعودة إلى الاعتراف الكامل. وهذا التصوير النفسي الدقيق من خصائص القصص القرآني.