أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ
أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ
عودة إلى المحاجّة بنفي المقابل المادي: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أم تسألهم يا محمد على ما تدعوهم إليه من النصيحة أجراً وجُعلاً، فهم من غرم ذلك مثقلون فلذلك أعرضوا؟ وذكر أن {مَّغْرَمٍ} هو ما يلزم أداؤه من مال على وجه الغرامة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السادسة والأربعين، على أن المعنى: أنت لا تسألهم أجراً، فليس ثمّ ما يصدّهم من هذه الجهة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا استفهام إنكاري يفيد نفي وقوع ذلك؛ إذ الأنبياء كلهم نفوا عن أنفسهم طلب الأجر. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة والأربعين من سورة القلم، إلى أن هذا المسلك في المحاجّة يقطع ما قد يُتوهم من أسباب الإعراض؛ فإن الداعي إذا طلب مالاً اتُّهم في دعوته؛ فنفي ذلك يسقط آخر ما يمكن أن يُعتذر به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تعود الآية إلى سلسلة المسالك التي بدأت في الآية السابعة والثلاثين بعد اعتراض التهديد. وترتيب المسالك بلغ هنا مرحلة نفي الموانع بعد نفي الأدلة؛ فقد سُئلوا أولاً عن سند دعواهم، ثم يُسألون الآن عن سبب إعراضهم. ثم تأتي الآية التالية بآخر المسالك: {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}. وفي هذا اتصال بمطلع السورة أيضاً؛ إذ قيل هناك {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}؛ فأجره ﷺ عند الله لا عندهم؛ فبين الآيتين تكامل: أجرٌ مضمون من الله، ومغرمٌ منفيّ عن الناس.