وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
عودة إلى حال المكذبين مع القرآن: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: وإن يكاد الذين كفروا من قومك يا محمد ليصرعونك بأبصارهم ويزلقونك بها من شدة نظرهم إليك بالبغضاء والعداوة حين سمعوا القرآن، ويقولون إنه لمجنون. وذكر أن {لَيُزْلِقُونَكَ} من الزلق وهو الزلل والسقوط؛ وأن العرب تقول: نظر إليّ نظراً يكاد يصرعني. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الحادية والخمسين، على أن المراد شدة نظرهم إليه بالحسد والبغض؛ وذكر أن بعض السلف استدل بالآية على أن العين حق. وثبت في الحديث الصحيح ما يشهد لذلك؛ روى مسلم في "صحيحه" في كتاب السلام، في باب الطب والمرض والرقى، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين». وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الأقوال في معناها متقاربة، ومرجعها إلى شدة العداوة الظاهرة في النظر. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الحادية والخمسين من سورة القلم، إلى أن التعبير بـ{وَإِن يَكَادُ} يفيد أن الفعل لم يقع؛ فهم قاربوا ولم يبلغوا؛ وفي ذلك تقرير لحفظ الله لنبيه ﷺ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تعود السورة في خاتمتها إلى ما افتُتحت به؛ فقد بدأت بـ{مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}، وختمت بحكاية قولهم {إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ}؛ فبين المطلع والخاتمة تناظر تام. وهذا يُسمّى ردّ العجز على الصدر، وهو من أبدع ما يكون في بناء السور. ثم تأتي الآية الأخيرة بالجواب القاطع: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}. وفي هذا الترتيب لطيفة: أن القول الباطل ذُكر أولاً ثم أُتبع بالحق؛ فكانت الكلمة الأخيرة في السورة كلها لبيان حقيقة القرآن لا لحكاية طعنهم فيه.