هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ
تتوالى الأوصاف بلا فاصل: {هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن {هَمَّازٍ} هو المغتاب الطعّان في أعراض الناس؛ وروى عن ابن عباس ومجاهد أن الهمّاز هو المغتاب، وعن الحسن أنه الذي يهمز أخاه في وجهه. وذكر أن {مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} هو الذي يمشي بين الناس بالنميمة ليفسد بينهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الحادية عشرة، على أن هذه الصفات كلها من آفات اللسان، وأنها قُدّمت لأنها أظهر ما يُعرف به المفسد. وثبت في السنة ما يبيّن خطر النميمة؛ روى البخاري في "صحيحه" في كتاب الأدب ومسلم في "صحيحه" في كتاب الإيمان، عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة نمّام». وروى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة صاحبي القبرين: «إنهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن الهمز يكون باللسان وبالعين وبالإشارة؛ وكله داخل في الذم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية استمرار لسرد الأوصاف الذي بدأ في الآية العاشرة؛ وترتيبها مقصود: بدأ بالحلف الكاذب وهو إفساد للصلة بين العبد وربه، ثم انتقل إلى الهمز والنميمة وهما إفساد للصلة بين العبد والناس، ثم سينتقل في الآية التالية إلى منع الخير والاعتداء وهما إفساد في المال والحق. فالنظم يتدرج من فساد الديانة إلى فساد المعاملة. ويتصل ذلك بمحور السورة: أن المكذب لم يكذّب عن نظر بل عن خلق فاسد؛ فعُدّدت رذائله ليُعلم أن رفضه للحق نابع من داخله لا من ضعف الحجة.