إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ
تتمة السؤال وبيان مضمون ما يزعمون: {إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أن لكم في ذلك الكتاب ما تختارونه وتشتهونه. وذكر أن {تَخَيَّرُونَ} أصلها «تتخيرون» فحُذفت إحدى التاءين تخفيفاً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية الثامنة والثلاثين، على أن المعنى: أفي ذلك الكتاب أن لكم ما تختارون لأنفسكم؟ وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا تهكم بهم؛ إذ لا يكون في كتاب منزّل أن يُعطى الإنسان ما يشتهي بلا عمل ولا حساب. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة والثلاثين من سورة القلم، إلى أن التعبير بالتخيّر يكشف حقيقة مذهبهم: أنهم يجعلون الشهوة أصلاً والحكم تابعاً لها؛ وهذا قلب لميزان الشرع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مكمّلة للتي قبلها؛ فهي بيان لمضمون ما يدرسونه في الكتاب المزعوم. وقد فُصلت عن سابقتها في العدّ لأنها جملة تامة مستقلة في تركيبها. ثم ينتقل بعدها إلى المسلك الثاني: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۙ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ}. وفي الجمع بين الآيتين استقصاء بديع: أعندكم كتاب؟ وإن كان، أفيه هذا المضمون العجيب؟ فلا يكفي وجود الكتاب حتى يكون فيه هذا النص؛ وهذا غاية في إحكام الإلزام.