بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
انتقال من إنكار الواقع إلى التسليم به: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: لما تبيّنوا أنها جنتهم قالوا: بل نحن محرومون حظّنا وثمر جنتنا بما كان منا. وذكر أن {بَلْ} إضراب عن قولهم الأول {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ}؛ أي: ليس بنا ضلال عن الطريق، وإنما نحن قوم قد حُرمنا. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين، على أن هذا رجوع منهم إلى الحق بعد أن تبيّن لهم أن ما رأوه هو جنتهم بعينها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الحرمان هنا يشمل حرمان الثمر وحرمان البركة؛ وأنهم أدركوا أن ما نزل بهم عقوبة لا مصادفة. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن إقرارهم بالحرمان أول درجات التوبة؛ إذ لا يتوب من لا يرى أنه قد فاته شيء بذنبه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية تكملة للمشهد الذي بدأ في الآية السادسة والعشرين؛ فبينهما لحظتان متعاقبتان لا فاصل بينهما. ثم يأتي بعدها كلام أوسطهم: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ}؛ فالنظم يتدرج بهم من الإنكار إلى التسليم إلى التذكير إلى التسبيح إلى الاعتراف إلى التلاوم إلى الرجاء. وهذا التدرج من أدق ما في القصة؛ إذ يرسم مراحل النفس عند نزول العقوبة مرحلة مرحلة. وفي التقاء لفظ {مَحْرُومُونَ} هنا بقصدهم حرمان المسكين لطيفة نظمية بالغة: أرادوا الحرمان لغيرهم فوقع عليهم.