سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ
يأتي الجزاء وسماً لا يُمحى: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: سنجعل له علامة على أنفه يُعرف بها؛ وذكر عن أهل التأويل أقوالاً: فقيل: سنسمه على أنفه بالسيف يوم بدر؛ وقيل: سنعلّمه علامة أهل النار فيُسوَّد وجهه؛ وقيل: هو مثل ضربه الله؛ أي: سنُلحق به عاراً لا يفارقه كما لا يفارق الوسمُ الأنفَ. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير الآية السادسة عشرة، على أن قول من قال إنه العَلَم اللازم الذي لا يفارقه هو المشهور، وأن الخرطوم عبّر به عن الأنف تحقيراً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن العرب تجعل الأنف موضع العزّ والحميّة؛ فيقولون: فلان شامخ الأنف، وأنِف من كذا؛ فالوسم على الأنف إذلال في أشرف موضع عندهم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة القلم، إلى أن استعمال {الْخُرْطُومِ} وهو اسم لأنف الفيل والسبع في موضع أنف الإنسان استعارة تهكمية بالغة في التحقير.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة المقطع الثاني؛ فقد بدأ بالنهي عن الطاعة، ثم عدّد الأوصاف، ثم كشف العلة، ثم حكى المقالة، ثم ختم بالعقوبة. وهي بذلك جواب مباشر على المقالة السابقة: قال {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} فقيل: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ}. ثم ينتقل السياق مباشرة إلى ضرب المثل: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}؛ فالانتقال من عقوبة فرد إلى مثل جماعة؛ وهو انتقال من الخاص إلى العام في التخويف.