بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 557)جامع البيانالطبري٢١/٥٥٧ أن قوله تعالى: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} تصوير لسفاهة الكفار واغترارهم؛ فهم يطلبون تعجيل قيام الساعة استهزاءً وتكذيباً واستبعاداً لوقوعها، ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟! {وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا}: وأما أهل الإيمان واليقين فهم وجلون خائفون مشفقون من أهوالها وشدائد الحساب فيها، مع عملهم الصالح، {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ}: ويوقنون يقيناً جازماً لا شك فيه أنها كائنة لا محالة وواقعة بحكم الله العدل.
وقوله: {أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 194)مصدر غير محدد٧/١٩٤ بأن المماراة هي الجدال بالشك والريبة والمكابرة؛ فمن شك في قيام القيامة وجادل فيها بعد سطوع البراهين فهو في تيه وضلال بعيد عن جادة الصواب والحق، منقطع عن أسباب النجاة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَسْتَعْجِلُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والسين والتاء للطلب والمبالغة في استدعاء الشيء قبل حينه.
{بِهَا}: متعلق بيستعجل، والضمير عائد على الساعة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل يستعجل.
{لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا}: جملة فعلية صلة الموصول لا محل لها، وبها متعلق بيؤمنون.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا}: الواو عاطفة أو حالية، والذين اسم موصول مبتدأ وجملة آمنوا صلته.
{مُشْفِقُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والإشفاق هو الخوف الشديد المقرون بالحذر والوجل والرجاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقابل السيكولوجي والوجداني البديع يصور الفارق الجوهري بين نفسية الكافر ونفسية المؤمن تجاه الغيب الأكبر؛ فالكافر يدفعه جهله وأمنه الكاذب إلى الاستعجال والسخرية، بينما يدفع المؤمن يقينه بالحق وعلمه بأهوال اليوم الآخر إلى الإشفاق والوجل والعمل الجاد.
عطف العلم {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} على الإشفاق {مُشْفِقُونَ مِنْهَا}: لبيان أن خوف المؤمن ليس هلعاً عشوائياً ولا قنوطاً مذموماً، بل هو خوف ناتج عن العلم الراسخ بالحق والعدالة الإلهية، فيثمر العمل والاستعداد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بيان المفارقة بين استعجال السفيه ووجل الحكيم: تكشف الآية للمحاكمة العقلية أن استعجال الكفار للساعة جهل مركب ومخاطرة حمقاء؛ إذ لو تحققت الساعة لهلكوا في الحال وذاقوا العذاب المقيم، فالعاقل لا يستعجل البلاء ولا يستبطئ الحساب، بل يحذر ويستعد؛ فكان استعجالهم دليلاً على انعدام عقولهم وتخبطهم في المراء.
حقيقة الشك والمراء في المعاد: المماراة في الساعة ليست عن نقص في أدلة البعث، بل هي هوى نفسي ومكابرة مستحكمة؛ ولذلك وصفهم الله بأنهم {لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ}؛ فالذي يشك في قدرة فاطر السموات والأرض على إعادة خلقه قد ضل ضلالاً شاسعاً لا يرجى له استقامة إلا بتوبة صادقة.
المقابلة التامة بين حالين: (استعجال الكافرين مع نفي الإيمان) يقابله (إشفاق المؤمنين مع ثبوت العلم واليقين)، وهي مقابلة تبرز التباين المطلق بين مسلكي النجاة والهلاك.
التعبير بالوصف المشتق {مُشْفِقُونَ}: الدال على الثبوت والرسوخ؛ فالإشفاق سجية لازمة لقلب المؤمن في كل أحيانه.
الوصف بـ {بَعِيدٍ}: استعارة مكانية للتعبير عن توغلهم في الغواية حتى بعدت بينهم وبين شاطئ النجاة مسافات التيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الجمع بين الخوف والرجاء؛ فالمؤمن مهما أحسن في عمله يظل مشفقاً من هول المطلع وعظمة الحساب، وهذا الإشفاق هو سر نجاته وأمانه يوم القيامة كما قال تعالى: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}.
الحذر من الغفلة والاستهزاء بأمر الآخرة، والاستعداد الدائم للقاء الله بالصالحات.
صيانة القلب من المراء والشكوك، وتثبيت اليقين بتدبر براهين البعث في كتاب الله.