بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 616)جامع البيانالطبري٢١/٦١٦ أن الله جل جلاله يقرر انفراده بالخلق والملك والتدبير في العالم العلوي والسفلي؛ فلا شريك له في ملكه، ولا راد لقضائه، وهو المتصرف في خلقه بمشيئته المطلقة؛ يرزق من يشاء من خلقه إناثاً خلصاً لا ذكور معهن، ويرزق من يشاء ذكوراً خلصاً لا إناث معهم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 214)مصدر غير محدد٧/٢١٤ أن الله تعالى قسم الناس في هبة الأولاد إلى أربعة أصناف: فمنهم من يعطيه بنات فقط (كلوط عليه السلام)، ومنهم من يعطيه بنين فقط (كإبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى)، ومنهم من يجمع له البنين والبنات (كمحمد صلى الله عليه وسلم)، ومنهم من يجعله عقيماً لا يولد له (كيحيى وعيسى عليهما السلام).
وأوضح القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن، ج 16، ص 47)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٦/٤٧ لطيفة تقديم الإناث في الآية: لما كان أهل الجاهلية يكرهون البنات ويفضلون الذكور، بدأ الله بذكرهن تطييباً لقلوبهن وإشعاراً بفضلهن وإكرامهن؛ فسمّى هبتهن هبة وجعلهن متقدمات في الذكر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَهَبُ}: الهبة: العطية الصافية الخالية من الأغراض والأعواض، وفيها إشعار بأن الولد محض منحة إلهية ونعمة ربانية محضة.
الإعراب:
{لِلَّهِ}: اللام حرف جر، لفظ الجلالة مجرور باللام، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{مُلْكُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَالْأَرْضِ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{يَخْلُقُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة مستأنفة أو حالية.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
{يَشَاءُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، وجملة الصلة لا محل لها.
{يَهَبُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والجملة بدل من يخلق أو مستأنفة لتفصيلها.
{لِمَنْ}: جار ومجرور متعلقان بيهب.
{يَشَاءُ}: صلة الموصول.
{إِنَاثًا}: مفعول به ليهب منصوب بالفتحة، ونوّن لأنه نكرة.
{الذُّكُورَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، وعُرّف بالألف واللام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال معتقدات الجاهلية بالاستدلال الكوني: لما كان المشركون يزعمون أن الملائكة بنات الله ويكرهون ولادة الإناث لأنفسهم، قرر في هذه الآية أن الملك كله لله وحده وأن الإناث والذكور كلهم خلقه وهبته ومحض تدبيره.
بلاغة التقديم والتأخير والتعريف والتنكير:
قدّم الإناث تأنيساً لهن وكسراً لاعتداء الجاهلية على كرامتهن.
نكّر الإناث {إِنَاثًا} وعرّف الذكور {الذُّكُورَ}؛ لأن الذكور جنس معروف بطلب الرياسة والفضل عند الناس فعرّفهم بالمألوف، ونكّر الإناث لتفخيم الهبة والتعظيم، أو العكس مراعاة لتناسب الفواصل النظمية.
ربط الخلق بالمشيئة {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}: لتقرير أن الإنجاب ليس عملية ميكانيكية بحتة، بل هو خاضع لإرادة الخالق العليم القدير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على التسخط من ولادة الإناث: الآية تهدم الموروث الجاهلي الذي يذم إنجاب البنات، وتسمي البنات (هبة)؛ فمن سخط ولادة الأنثى فقد سخط هبة الله وتدبيره، وتطاول على كمال حكمته.
تصحيح النظرة الطبية والبيولوجية المعاصرة: العلم الحديث أثبت أن تحديد جنس الجنين يتم عبر الحيوان المنوي للأب بما يحمله من صبغيات ذكرية أو أنثوية، ولكن تظل عملية إخصاب بويضة معينة بحيوان منوي معين خاضعة للتقدير والمشيئة الإلهية التي لا يعلم سرها أحد؛ فالتدبير الأول والأخير لله الخالق الوهاب.