بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 577)جامع البيانالطبري٢١/٥٧٧ أن معنى الآية: لو بسط الله الرزق لجميع عباده فوسعه عليهم وأعطاهم فوق حاجتهم وكفايتهم، لتكبروا وتجبروا وتطاول بعضهم على بعض بالظلم والعدوان في الأرض؛ لأن الغنى والبطر من أعظم دواعي الطغيان، كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}، ولكن الرب الحكيم يقسم أرزاقهم بمقادير محددة بحسب ما تقتضيه المصلحة وتستقيمه أحوالهم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 198)مصدر غير محدد٧/١٩٨ عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: فينا نزلت: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ}، وذلك أننا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها، فأنزل الله هذه الآية تحذيراً وتذكيراً بأن التوسيع المطلق قد يفضي إلى الفتنة والهلاك.
وقوله: {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}: خبير ببواطن نفوسهم وما يصلحها وما يفسدها، بصير بظواهر أحوالهم وتصرفاتهم؛ فيعطي بحكمة ويمنع بحكمة، ومنعه عين العطاء إذا كان صيانة للدين وحفظاً من الطغيان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بَسَطَ}: البسط في لسان العرب: النشر والتوسيع ومد الشيء، وضده القبض والتقتير.
{لَبَغَوْا}: البغي: مجاوزة الحد والظلم والكبر والاستطالة، وأصله طلب الشيء بإفراط وشدة، ثم غلب على الظلم والاعتداء.
الإعراب:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، {لَوْ}: حرف شرط غير جازم (حرف امتناع لامتناع).
{بَسَطَ}: فعل ماض مبني على الفتح، {اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة، {الرِّزْقَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{لَبَغَوْا}: اللام واقعة في جواب لو، {بَغَوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو فاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب الشرط.
{وَلَكِنْ}: الواو عاطفة، {لَكِنْ}: حرف استدراك مهمل مبني على السكون.
{يُنَزِّلُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، {بِقَدَرٍ}: جار ومجرور متعلقان بينزل أو بمحذوف حال.
{مَا يَشَاءُ}: {مَا}: اسم موصول مبني في محل جر نعت لقدر أو بدل، وجملة {يَشَاءُ} صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصالها بما قبلها: لما ذكر الله في الآيات السابقة بسط الفضل للمؤمنين واستجابة دعائهم، وذكر لطفه بعباده ورزقه لمن يشاء، ربما خطر ببال سائل: لِمَ لا يغني الله جميع عباده دفعاً للفقر والحاجة؟ فجاءت هذه الآية جواباً حكيماً كاشفاً عن الحكمة الإلهية في تفاوت الأرزاق ومقاديرها.
الاستدراك بـ {وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ}: جاء الاستدراك ليبين أن المنع ليس عن عجز ولا بخل -تعالى الله عن ذلك- بل هو تدبير حكيم مقدر بدقة تامة تتناسب مع طبائع العباد.
ختام الآية بالصفتين {خَبِيرٌ بَصِيرٌ}: مناسبة بديعة؛ لأن تقدير الأرزاق يحتاج إلى علم ببواطن القلوب (خبير) وإحاطة بظواهر الأعمال وأحوال المعاش (بصير).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفاوت الأرزاق والفقر: يزعم بعض الملاحدة أن وجود الفقر والحاجة ينافي الرحمة والحكمة، والرد العقلي القرآني: أن التفاوت في الرزق هو أساس قيام المجتمعات وتسخير الناس بعضهم لبعض في عمارة الأرض، قال تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}، ولو استغنى الجميع لما وجد من يعمل ولا من يبني ولا من يزرع، ولبطلت مصالح العمران ولعم البغي والطغيان.
إدراك طبيعة النفس البشرية: الإنسان إذا أحس بالغنى المطلق استعلى وجحد النعمة، فكان في حكمة التقدير والتضييق تارة والتوسيع تارة حفظ لتوازن النفوس وإلجاؤها إلى الافتقار لخالقها.
المجاز المرسل والعلاقة: التعبير بـ {بَسَطَ} استعارة تمثيلية لحال السعة الفائضة التي تشبه نشر الثوب بعد طيه، وتصوير حركة النعمة وهي تعم الأرجاء.
المقابلة اللطيفة: بين البسط المطلق المترتب عليه البغي، وبين التنزيل بقدر المحقق للمصلحة والنظام.
الإشارة التدبرية: الرزق الحقيقي هو ما أصلح دينك ودنياك، وربما كان فقر العبد خيراً له من غنى يورثه النار، فالمؤمن يرضى بقضاء الله وتدبيره ويسأله الكفاف والعفاف والغنى بالدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرضا عن الله في تدبير المعاش والأرزاق، واليقين بأن عطاءه حكمة ومنعه رحمة وحفظ.
الحذر من فتنة الثراء الفاحش والبطر؛ فكلما زادت النعم وجب على العبد زيادة الانكسار والشكر والإنفاق في وجوه الخير.
تربية النفس على التواضع ومراقبة علام الغيوب؛ فإن علمه بأحوالنا أدق من علمنا بأنفسنا.