بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 564)جامع البيانالطبري٢١/٥٦٤ أن قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} توبيخ وتقريع للمشركين المبتدعين؛ فـ (أم) منقطعة تفيد الإضراب والاستفهام الإنكاري؛ أي ألهم شركاء من شياطين الإنس والجن سنّوا لهم من الدين والتحريم والتحليل والشرك والعبادات والبدع ما لم يأذن به الله ولم ينزل به سلطاناً، كتحريم البحيرة والسائبة والوصام وحمى الجاهلية وعبادة الأوثان؟!
وقوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 195)مصدر غير محدد٧/١٩٥ بأن كلمة الفصل هي قضاء الله بتأخير الفصل والحساب إلى يوم القيامة وإمهالهم إلى ذلك اليوم الموعود؛ ولولا هذا القضاء الأزلي لأنزل العذاب العاجل واستأصل المبتدعين المشركين في الحال.
وقوله: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: إخبار بحتمية العقاب الأخروي الموجع للظالمين بالشرك والابتداع في دين الله بغير هدى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف منقطع للإضراب والاستفهام الإنكاري التوبيخي.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{شُرَكَاءُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة ولم ينون لمنعه من الصرف لألف التأنيث الممدودة.
{شَرَعُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة في محل رفع نعت لشركاء.
{لَهُمْ}: متعلق بشرعوا.
{مِنَ الدِّينِ}: متعلق بمحذوف حال من (ما).
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لشرعوا.
{لَمْ يَأْذَنْ}: لم جازمة ويأذن فعل مضارع مجزوم بالسكون.
{بِهِ}: متعلق بيأذن.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة للتعظيم، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَلَوْلَا}: الواو عاطفة، ولولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط.
{كَلِمَةُ الْفَصْلِ}: كلمة مبتدأ مرفوع بالضمة وخبره محذوف وجوباً تقديره كائنة، والفصل مضاف إليه مجرور، والمراد بها قضاء الفصل يوم القيامة.
{لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: اللام واقعة في جواب لولا، وقضي فعل ماض مبني للمجهول وبينهم قائم مقام نائب الفاعل، والجملة جواب شرط غير جازم.
{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ}: الواو استئنافية، وإنّ حرف توكيد ونصب، والظالمين اسمها منصوب بالياء.
{لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: لهم خبر مقدم، وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم نعت، والجملة في محل رفع خبر إنّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يؤصل مبدأ الحاكمية والتشريع ويبطل الشرك التشريعي؛ فلما بين في الآية (13) أن الله هو الذي شرع الدين الحق: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا}، جاء هنا لينكر بشدة على من يتخذ مشرعين من دون الله يستحدثون ديناً وأحكاماً بغير إذن إلهي، مبيناً أن التشريع حق خالص لله وحده.
الربط بين الشرك والابتداع وبين كلمة الفصل: لبيان أن تأخر عقوبة المبتدعين والمشركين المستكبرين في الدنيا لا يدل على صواب ما ابتدعوه، بل هو لإرجائهم إلى كلمة الفصل يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حصر حق التشريع والتحليل والتحريم بالله تعالى: تقرر الآية أصلاً قطعياً من أصول التوحيد؛ وهو توحيد الحاكمية والتشريع؛ فمن جعل لمخلوق (ملكاً، أو عالماً، أو حبراً، أو سلطاناً، أو برلماناً) حق تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله أو تشريع دين لم يأذن به الله، فقد اتخذه شريكاً ونداً لله؛ كما قال تعالى في سورة التوبة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم بطاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
محاربة البدع في الدين: استدل أئمة السنة بهذه الآية الكريمة على تحريم الابتداع في الدين، وأن كل عبادة أو تشريع يتقرب به العبد إلى الله بغير دليل من الكتاب والسنة فهو مردود باطل مذموم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (صحيح مسلم، رقم 1718)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٧١٨.