بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 532)جامع البيانالطبري٢١/٥٣٢ أن المعنى: والذين اتخذوا من دون الله آلهة وأنداداً يتولونهم ويعبدونهم ويرجون نصرهم وشفاعتهم، {اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ}: أي رقيب شهيد يحصي عليهم أعمالهم وأقوالهم وشركهم، ليجازيهم عليه بأعدل الجزاء في الآخرة؛ لا يعزب عنه شيء من مكرهم.
وقوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 189)مصدر غير محدد٧/١٨٩ بأنها تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وتحديد لوظيفته الدعوية؛ فما أنت بحفيظ تحفظ أعمالهم، ولا موكول إليك إدخال الإيمان في قلوبهم ولا مجازاتهم على كفرهم، بل إنما عليك البلاغ والإنذار، والله هو الوكيل الحفيظ الذي يحاسب الخلائق أجمعين.
ونقل القرطبي أن الآية تقطع دابر الحزن المفرط عن قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتبين أن الله لم يبعثه جباراً ولا مسيطراً بل مبشراً ونذيراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، والذين اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{اتَّخَذُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{مِنْ دُونِهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من أولياء، والهاء مضاف إليه.
{أَوْلِيَاءَ}: مفعول به لاتخذوا منصوب بالفتحة الظاهرة، ولم ينون لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ ثان مرفوع بالضمة الظاهرة للتعظيم.
{حَفِيظٌ}: خبر المبتدأ الثاني مرفوع بالضمة الظاهرة، وحفيظ صيغة مبالغة من الحفظ؛ أي مبالغ في الإحصاء والرقابة. والجملة الاسمية (الله حفيظ) في محل رفع خبر المبتدأ الأول (الذين)، أو لفظ الجلالة مبتدأ وحفيظ خبره والرابط محذوف أو الجار والمجرور بعده.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلق بحفيظ، والتعدية بـ (على) تفيد معنى الرقابة والإحصاء للمؤاخذة.
{وَمَا}: الواو عاطفة أو حالية، و(ما) حجازية نافية تعمل عمل ليس أو تميمية مهملة.
{أَنْتَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع اسم ما الحجازية (أو مبتدأ).
{عَلَيْهِمْ}: متعلق بوكيل أو بمحذوف حال.
{بِوَكِيلٍ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، ووكيل مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر ما الحجازية (أو خبر المبتدأ)، والوكيل هو الحفيظ الموكول إليه تدبير الأمر ومحاسبة الخلائق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يأتي هذا المقطع لمقابلة مشهد التسبيح الملائكي الكوني بصنيع المشركين المعاندين؛ فبينما يسبح الملائكة بحمد ربهم، يذهب هؤلاء الكفار إلى اتخاذ أولياء من دونه، فأنذرهم بأن الله حفيظ عليهم لا يغفل عن جرمهم.
التناسق في توزيع المهام والمسؤوليات: إفراد الله تعالى بالحفظ والمحاسبة والجزاء، وتجريد النبي صلى الله عليه وسلم من صفة التوكيل والإلزام، مما يرفع الحرج والضيق عن صدر الداعية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير وظيفة الرسل ودحض الإكراه في الإيمان: الآية تؤسس قاعدة عقلية وتشريعية كبرى في حرية الاختيار وتحمل المسؤولية؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ ناصح بالبينات والبراهين، وليس موكلاً بإجبار القلوب على الهدى بالقهر؛ لأن الإيمان تصديق قلبي واختيار طوعي، والمحاسب هو الله الحفيظ الرقيب، كما قال تعالى في الغاشية: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}.
دلالة صيغة المبالغة {حَفِيظٌ}: تحذير مرعب للظالمين؛ فالإمهال ليس إهمالاً، وحفظ الله لأعمالهم دقيق لا يفوت منه خردلة ولا خاطرة نفس، فكل شيء مسجل في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
المقابلة بين {حَفِيظٌ} و{بِوَكِيلٍ}: أثبت لنفسه الحفظ والرقابة التامة، ونفى عن رسوله الوكالة والتكفل بمصيرهم، لإحكام الفصل بين مقام الربوبية ومقام النبوة والرسالة.
تأكيد نفي الوكالة بالباء الزائدة {بِوَكِيلٍ}: للدلالة على البراءة التامة من تبعات كفرهم وإعراضهم.
التنكير في {أَوْلِيَاءَ}: للتحقير؛ أي أولياء ضعفاء عاجزين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة قلب الداعية من الإحباط واليأس عند إعراض المدعوين؛ فواجبه البلاغ المبين والنصح والشفقة، والنتائج والقلوب بيد الله وحده.
مراقبة الله الحفيظ واستشعار إحصائه لكل عمل وقول وخطوة، والحذر من موالاة أعداء الله أو الركون إليهم.
إفراد الولاية لله وحده؛ فالمؤمن لا يتخذ ولياً ولا ناصراً إلا ربه تبارك وتعالى.