بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 536)جامع البيانالطبري٢١/٥٣٦ أن المعنى: ولو شاء الله تبارك وتعالى لجمع الناس كلهم على ملة واحدة ودين واحد وهو الهدى والإسلام؛ فما اختلفوا ولا كفر منهم أحد، ولكنه جل ثناؤه لم يشأ إجبارهم على الإيمان، بل خلقهم مختارين مكلفين ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، {وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ}: فيوفق من علم منه صدق الطلب وإرادة الحق لرحمته وهدايته وجنته، {وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}: وأما الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والعناد فإنهم مقطوعون عن رحمة الله، ليس لهم يوم القيامة ولي يتولاهم ولا ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب النار.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 189)مصدر غير محدد٧/١٨٩ الآية بنظائرها في القرآن كقوله تعالى في سورة هود: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}؛ مبيناً أن حكمة الله اقتضت وجود فريقين يظهر بهما كمال عدله في عقاب الظالمين وكمال فضله في إثابة الطائعين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، و(لو) حرف امتناع لامتناع (شرط غير جازم).
{شَاءَ اللَّهُ}: شاء فعل ماض مبني على الفتح، ولفظ الجلالة {اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (ولو شاء الله هدايتهم جميعاً).
{لَجَعَلَهُمْ}: اللام واقعة في جواب لو، وجعل فعل ماض ينصب مفعولين والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء ضمير متصل مفعول به أول والميم للجمع.
{أُمَّةً}: مفعول به ثان لجعل منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَاحِدَةً}: نعت لأمة منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي جماعة متفقة على دين واحد وإيمان مجبر. والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم.
{وَلَكِنْ}: الواو عاطفة، و(لكن) حرف استدراك وابتداء مهمل لا عمل له.
{يُدْخِلُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{مَنْ يَشَاءُ}: (مَنْ) اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ليدخل، وجملة يشاء صلة الموصول لا محل لها، والعائد ومفعول المشيئة محذوفان.
{وَلَا نَصِيرٍ}: الواو عاطفة، ولا لتأكيد النفي، ونصير معطوف على ولي بالجر لفظاً، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الظالمون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا البيان الإلهي يعقب ذكر الفريقين (فريق في الجنة وفريق في السعير) في الآية السابقة؛ ليجيب عن سؤال يرد على الأذهان: لمَ لمْ يجعل الله الناس كلهم فريقاً واحداً في الجنة؟ فبينت الآية أن ذلك راجع لمشيئة الله وحكمته البالغة في ابتلاء الإرادة البشرية، وأن انقسامهم ليس عجزاً من الله بل هو مقتضى سنته في الخلق والعدل.
المقابلة بين الرحمة {فِي رَحْمَتِهِ} والحرمان التام {مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}: إبراز لعدالة الجزاء؛ فالأولون نالوا الفضل بإيمانهم، والظالمون حرموا الولاية والنصرة بجنايتهم على أنفسهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التكليف والاختيار البشري: لو شاء الله لجعل البشر كالملائكة مجبورين على الطاعة لا يعصون الله ما أمرهم، أو كالحيوانات المسخرة، ولكن حكمة الخلق اقتضت إيجاد كائن مكلف يملك حرية الاختيار بين الهدى والضلال، فيسمو بطاعته الاختيارية فوق الملائكة، أو يتردى بهواه وظلمه أسفل من البهائم؛ وبذلك تظهر كمالات الأسماء الحسنى كالعدل والرحمة والمغفرة والعقاب.
إبطال حجة الجبرية: الظالمون عوقبوا على ظلمهم المكتسب باختيارهم {وَالظَّالِمُونَ}؛ فالظلم فعلهم وجنايتهم، والله لم يظلمهم ولكن حرمهم من ولايته لفساد اختيارهم وتمردهم على شرعه.
الاستدراك بـ {وَلَكِنْ}: يقطع ما قد يتوهمه السامع من أن مشيئة هداية الجميع فاتت عن عجز، بل الاستدراك يبين نفاذ المشيئة في إدخال أهل الاستحقاق في الرحمة ومعاقبة أهل الظلم.
الاستغراق في النفي بـ (مِنْ) الزائدة {مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}: يغلق كل أبواب النجاة في وجه الظالمين؛ فلا قريب يليهم بمودة، ولا قوي ينصرهم بغلبة.
إضافة الرحمة إلى الضمير {فِي رَحْمَتِهِ}: تشريف وتفخيم للجنة والكرامة التي أعدها الله لأوليائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التعرض لنفحات رحمة الله وسؤالها في كل آن؛ فإن دخول الجنة إنما هو بفضل رحمة الله وتوفيقه.
الحذر الشديد من الظلم بكل صوره؛ وأعظمه الشرك بالله، ثم ظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة يسلب صاحبه الولي والنصير.
الرضا بحكمة الله وتدبيره في خلقه، واليقين بكمال عدله في قضائه وقدره.