بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 573)جامع البيانالطبري٢١/٥٧٣ أن (أم) في قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} منقطعة تفيد الإضراب والاستفهام الإنكاري والتعجيب من مقالة المشركين؛ أي بل أيقول هؤلاء المكذبون: إن محمداً تخرص هذا القرآن من تلقاء نفسه وافترى به على الله كذباً؟!
فرد الله تعالى عليهم رداً حاسماً يسقط افتراءهم: {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ}؛ أي لو كنت كاذباً مفترياً كما يزعمون، لختم الله على قلبك وسلبك ما آتاك من النبوة والقرآن وعاجلك بالعقوبة، كما قال في الحاقة: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}، ولكن الله نصرك وأيدك وأجرى الحق على لسانك فدل ذلك على أنك رسوله الصادق الأمين.
وقوله: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}: سنة الله المطردة في خلقه أنه يذهب الباطل ويفنيه ويبطله، ويثبت الحق ويعليه بوحيه وكلماته التامة وشرعه المنتصر، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: محيط بكل ما تكنه الصدور من النوايا والسرائر فلا يخفى عليه كاذب من صادق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَمْ}: حرف عطف منقطع للإضراب والاستفهام الإنكاري.
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{افْتَرَى}: فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف وفاعله مستتر، والجملة مقول القول.
{عَلَى اللَّهِ}: متعلق بافترى.
{كَذِبًا}: مفعول به لافترى، أو نائب مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فَإِنْ}: الفاء فصيحة، وإن حرف شرط جازم.
{يَشَإِ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، ولفظ الجلالة {اللَّهُ}: فاعل مرفوع بالضمة، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (فإن يشأ الله الختم).
{بِذَاتِ الصُّدُورِ}: متعلق بعليم، والصدور مضاف إليه؛ أي بالضمائر والسرائر المستقرة في القلوب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الرد المفحم يواجه أشنع تهمة رمى بها المشركون النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي تهمة الافتراء على الله، فجاء الجواب بتقرير سنة الله القاطعة في معاملة المفترين؛ فالافتراء على الله لا يمكن أن يدوم أو يثبت، بل سنة الله محو الباطل وإحقاق الحق.
الربط بين الختم على القلب وعلم ذات الصدور: لبيان أن القلب محل الوحي والنبوة والإيمان، فلو خالطه كذب لعلمه عليم بذات الصدور ولحرمه الهدى وسلب نوره فوراً، ولكن الله شرح صدر نبيه للحق وأيده بكلماته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
برهان التمكين والنصرة على صدق النبوة: تقرر الآية محاكمة عقلية وتاريخية باهرة رد بها أئمة الإسلام على الملاحدة والطاعنين؛ فالمدعي للنبوة إما أن يكون أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يمكن أن يلتبس أحدهما بالآخر في سنن الله الكونية؛ فالمفتري الكاذب لا يمكن أن يمهله الله ثلاثة وعشرين عاماً، يؤيده بالمعجزات، ويمكن لدينه، وينصره على أعدائه، ويخلد كتابه، ويجعل أمته خير أمة؛ لأن تمكين الكاذب وإظهاره بمظهر الصادق وتأييده بالخوارق محال في حكمة الله وعدله؛ لأنه تلبيس على الخلائق وتضليل للبشرية والله منزه عن ذلك، فكان بقاء القرآن ونصرة النبي صلى الله عليه وسلم برهاناً ساطعاً على صدق نبوته وعصمته.
حذف الواو رسماً في {وَيَمْحُ}: إعجاز رسمي وبياني يشير إلى سرعة اضمحلال الباطل ومحوه التام حتى كأنه زال بحركته دون بقاء أثر.
الشرط الافتراضي في {فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ}: أسلوب تنزل وفرض لإفحام الخصم؛ للدلالة على كمال انقياد النبي صلى الله عليه وسلم لله وخضوعه التام لمشيئته.
المقابلة التامة بين {يَمْحُ الْبَاطِلَ} و{يُحِقُّ الْحَقَّ}: استيعاب لسنة التدافع الكوني؛ فالحق يعلو ويثبت، والباطل يمحى ويزهق، وكلمات الله هي السيف القاطع لكل زيف.
التذييل بـ {عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: تحذير مرعب لأصحاب الضمائر المريضة والمفترين بأن الله مطلع على خفايا مكرهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن الكريم، وبطلان كل شبهة تحاول النيل من هذا الكتاب المعجز.
الثقة التامة بسنة الله في إزهاق الباطل وإحقاق الحق؛ فمهما انتفخ الباطل وتطاولت دولته فإن مصيره إلى المحو والزوال بكلمات الله التامة.
مراقبة الله في سرائر القلوب وخفايا النوايا؛ فإن عليم بذات الصدور يجازي على ما في القلوب قبل ما على الجوارح.