بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 559)جامع البيانالطبري٢١/٥٥٩ أن قوله تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} تقرير لصفة اللطف الإلهي المحيط العام؛ فاللطيف هو الذي يفيض بره وإحسانه على عباده من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون، ويوصل إليهم منافعهم ومصالحهم برفق وتدبير خفي دقيق، ويعاملهم بالرأفة والحلم، فلا يعاجل بالعقوبة بل يرزق البر والفاجر والمؤمن والكافر في دار الدنيا.
وقوله: {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 194)مصدر غير محدد٧/١٩٤ بأنه يوسع على من يشاء تارة، ويقتر على من يشاء تارة أخرى، وفق حكمته البالغة ولطفه الدقيق؛ فإن من عباده من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقره لأفسده ذلك، ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر ولو بسط له لأفسده ذلك.
وقوله: {وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}: القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، العزيز الذي لا يغالب ولا يمتنع عليه ممتنع؛ فلطفه ليس عن عجز ولا مداهنة، بل صادر عن كمال القوة والعزة والقدرة القاهرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة للتعظيم.
{لَطِيفٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، واللطيف من أسماء الله الحسنى، وهو الذي يعلم دقائق الأمور وغوامضها، ويوصل الإحسان إلى العباد بالرفق والخفاء.
{بِعِبَادِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بلطيف، والعباد هنا للجنس يعم سائر الخلق.
{يَرْزُقُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة وفاعله مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر ثان للمبتدأ أو حال.
{مَنْ يَشَاءُ}: (مَنْ) اسم موصول مفعول به، وجملة يشاء صلة الموصول.
{وَهُوَ}: الواو عاطفة، وهو ضمير منفصل مبتدأ.
{الْقَوِيُّ}: خبر أول مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْعَزِيزُ}: خبر ثان مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يأتي هذا التلطف الإلهي بعد ذكر أهوال الساعة وإشفاق المؤمنين وضلال المرتابين؛ ليرطب القلوب بالسكينة والأنس؛ فالله الذي تخافون هيبته وساعته هو ربكم اللطيف بكم، الذي يحيطكم برعايته ويدبر أرزاقكم في كل آن.
اقتران صفة (اللطف) بصفتي (القوة والعزة) {الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}: نظم معجز في غاية الحكمة؛ لبيان أن لطف الله ورحمته مقرونان بتمام القدرة والغلبة؛ فالقوي إذا لطف كان لطفه إحساناً وحكمة، والضعيف قد يلطف عن عجز ومخادعة؛ فتنزه لطف الله عن شوائب الضعف والقصور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير حقيقة اللطف الإلهي: اللطف الإلهي لا يعني إعطاء العبد كل ما يشتهيه من حطام الدنيا؛ بل اللطف الحقيقي قد يكون في المنع ودفع الفتن وسوق المصائب التي تورث التوبة وتكفر الخطايا؛ فالرب اللطيف يسوق المكاره لعبده المؤمن لتكون سبباً في رقيه ونيل الفردوس الأعلى، كما قال يوسف عليه السلام: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ}.
رد شبهة استلزام الرزق للرضا: بينت الآية أن بسط الرزق تالٍ للمشيئة {يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ} وليس دليلاً على كرامة العبد عنده؛ لأن الله لطيف بجميع عباده في أمر المعاش الدنيوي، أما الكرامة الحقيقية والرضا فمقصورة على أهل الإيمان والتقوى.