أورد الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 580)جامع البيانالطبري٢١/٥٨٠ أن الله تعالى يمتن على خلقه بإنزال المطر المغيث الذي يحيي الأرض والأنعام والأنام بعد اشتداد الكرب والجدب واليأس من نزوله، فيفرج عنهم بنشر رحمته وبركته في كل ناحية.
وجاء في (تفسير ابن كثير، ج 7، ص 199)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/١٩٩ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً جاءه فقال: يا أمير المؤمنين، قحط المطر وقنط الناس! فقال عمر رضي الله عنه: "مُطِرْتُمْ"، ثم قرأ هذه الآية: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}.
وقوله: {وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}: بيّن القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن، ج 16، ص 31)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٦/٣١ أن الولي هو المتولي لأمور خلقه بالرعاية والتدبير والنصرة، الحميد: المحمود على أفعاله وأقداره وإنعامه في السراء والضراء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْغَيْثَ}: المطر النافع المغيث من الجدب، ويغلب إطلاقه في القرآن على الخير والرحمة، بخلاف لفظ (المطر) الذي كثيراً ما يستعمل في موضع العذاب والنقمة، كقوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا}.
{قَنَطُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، و(ما والفعل) في تأويل مصدر في محل جر مضاف إليه؛ أي: من بعد قنوطهم.
{وَيَنْشُرُ}: الواو عاطفة، فعل مضارع معطوف، {رَحْمَتَهُ}: مفعول به، والهاء مضاف إليه.
{وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}: مبتدأ وخبران مرفوعان، والجملة حالية أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسن التعقيب: بعد أن بيّن في الآية السابقة أن الرزق ينزل بقدر لحكمة بالغة، ذكر في هذه الآية دليلاً حسياً مشاهداً على لطفه ورحمته بإنزال الغيث عند انقطاع الحيل واشتداد الحاجة.
تقييد التنزيل بحال القنوط: لإظهار عظمة المنة؛ فإن النعمة إذا جاءت عقب اليأس كان وقعها في القلوب أعظم، وظهور الافتقار إلى الله أتم.
التذييل بالاسمين الجليلين {الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}: لأن من ولايته لخلقه أن يغيثهم ويدبر شؤونهم، ومن حمده أنه يستحق الشكر والثناء على آلائه التي لا تحصى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة نسبة القنوط للعباد: قد يقال: كيف يذكر القنوط وهو مذموم في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}؟ والجواب: أن القنوط المذكور هنا هو عارض طبعي بشري يعتري عموم الناس عند اشتداد الجدب وانقطاع الأسباب الظاهرة، وليس قنوط جحود ولا كفر برحمة الله، فالآية تسجل واقع الضعف البشري لبيان سعة الفضل الإلهي الذي يفيض عليهم برغم ضعفهم.
الرد على التفسير المادي للأمطار: يزعم الماديون أن المطر مجرد ظواهر مناخية حتمية ناتجة عن تبخر وتكاثف، والرد: أن تلك السنن الكونية ما هي إلا أسباب خاضعة لمشيئة مسبب الأسباب، والله تعالى هو الذي يحرك الرياح ويسوق السحاب وينزله في بلد دون بلد وفي وقت دون وقت، بحكمته وتقديره.
الاستعارة المكنية في {وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ}: شبه الرحمة ببساط عظيم مبسوط أو بنور شمس منتشر يغمر الأرض بعد قتامة الجدب.
البلاغة في استخدام صيغة المضارع {يُنَزِّلُ} و{يَنْشُرُ}: لاستحضار الصورة وتجدد الإنعام والرحمة وقتاً بعد وقت.
الإشارة التدبرية: كما يحيي الله الأرض الميتة بالغيث بعد قنوط أهلها، فكذلك يحيي القلوب الميتة بنور الوحي، ويفرج الكروب المستحكمة عن المؤمنين بعد انغلاق الأبواب وانقطاع الحيل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس الرجاء واليقين في القلوب وعدم الاستسلام لليأس عند تراكم المحن؛ فإن فرج الله يأتي في أحلك الساعات.
اللجوء إلى صلاة الاستسقاء والتضرع والاستغفار؛ فالاستغفار مفتاح نزول الغيث، كما قال نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا}.
إدامة الحمد والثناء لاسم الله (الحميد)؛ فالله مستحق للحمد لذاته ولصفاته ولإنعامه الذي يغمر الوجود.