فسر الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 582)جامع البيانالطبري٢١/٥٨٢ الآية بأن من دلائل توحيد الله وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر: إبداع السموات والأرض على غير مثال سابق، وما نشر وفرق فيهما من مختلف أصناف الدواب من إنس وجن وملائكة وسائر ما يدب ويتحرك، وهو سبحانه بعد تفريقهم في أرجاء العالم قادر على حشرهم وجمعهم لميقات يوم معلوم إذا شاء ذلك دون أدنى كلفة.
وقال ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 200)مصدر غير محدد٧/٢٠٠: {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ}؛ أي: يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ويقضي بينهم بحكمه العدل، والمشيئة هنا محققة الوقوع في الأجل الذي ضربه سبحانه.
واستدل ابن عاشور في (التحرير والتنوير، ج 25، ص 96)التحرير والتنويرابن عاشور٢٥/٩٦ بقوله: {فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ} على وجود عوالم ومخلوقات تدب في السموات كما تدب في الأرض، مما يعكس سعة الملك الإلهي وعظمة الإبداع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{يَشَاءُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر، والجملة مضاف إليها.
{قَدِيرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء من الخاص إلى العام: بعد أن ذكر نعمة الرزق وإنزال الغيث على الأرض، ارتقى النظم القرآني إلى الدلائل الكونية الكبرى التي تشهد بعظمة الربوبية وعموم القدرة وإحاطتها: خلق السموات والأرض ونشر الدواب.
الاستدلال بالابتداء على الإعادة: قرن خلق الدواب وبثها ببيان القدرة على جمعها؛ فالذي أنشأ هذا الخلق العظيم وبثه في أرجاء الكون لا يعجزه إعادة جمعهم يوم البعث والنشور.
التعبير بـ {إِذَا يَشَاءُ}: لتقرير أن موعد القيامة والجمع موكول إلى مشيئة الله وحكمته الأزلية، لا يستعجله إلحاح ملحد ولا يدفعه تكذيب معاند.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إشكال عودة الأجساد وتفرقها: ينكر الدهريون البعث محتجين بأن الأجساد تتفتت وتتحول إلى ذرات تذروها الرياح، فكيف تعاد وتجمع؟ والجواب العقلي: أن القدرة التي بثت هذه الدواب في أقطار الأرض والسماء وأحصتها بدقة متناهية، قادرة بطريق الأولى على جمع ذراتها وإعادة تركيبها؛ فالجمع أهون في حكم العقل من الابتداء، وكلاهما هين على الله تعالى.
مسألة وجود دواب في السموات: قد يتساءل البعض عن قوله: {فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ} مع أن الدابة تطلق على ما يدب، والجواب: إما أنه تغليب للأرض لاشتمالها على الدواب، أو أن السموات فيها مخلوقات تدب تليق بطبيعتها، والله أعلم بما خلق.