بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 592)جامع البيانالطبري٢١/٥٩٢ أن معنى الآية: وليعلم الكفار الذين يخاصمون في حجج الله وأدلته وتوحيده دافعين لها بالباطل والبهتان، إذا حل بهم عذابه ونزل بهم بأسه في البحر أو في البر، أنه لا مهرب لهم ولا ملجأ ولا مخلص يحيصون إليه وينجون به من عقاب الله.
وذكر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 204)مصدر غير محدد٧/٢٠٤ أن هذا تحذير شديد للمجادلين بالباطل؛ فإن الجدال في آيات الله مآله الخسران المبين وظهور العجز والانقطاع التام عند حلول بأس الله.
ونقل القرطبي في قراءات الآية أن (ويعلمَ) قرئت بالنصب على إضمار (أن) بعد واو المعية والتعليل المسبوقة بالشرط والجزاء، وقرئت بالرفع (ويعلمُ) على الاستئناف، وقرئت بالجزم (ويعلمْ) بالعطف على جواب الشرط السابق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُجَادِلُونَ}: الجدال: شدة الخصومة والمماراة، وأصله من فتل الحبل وإحكامه، ثم استعمل في مصارعة الحجة بالحجة لإسقاط الخصم.
{مَحِيصٍ}: المحيص: المهرب والملجأ والمعدل، يقال: حاص عنه يحيص حيداً ومحيصاً إذا هرب وعدل وتنحى.
الإعراب:
{وَيَعْلَمَ}: الواو واو المعية أو السببية والعطف، {يَعْلَمَ}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الواو، والمصدر المؤول معطوف على علة محذوفة؛ أي: لينتقم منهم ويعلمَ (أو مجزوم بالعطف على يوبقهن، أو مرفوع على الاستئناف).
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل يعلم.
{يُجَادِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها.
{مَحِيصٍ}: مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي يعلم أو علقت عنها بـ (ما) النافية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان ثمرة الأحوال السابقة: التعليل والغاية من تسخير البحر وتقليب السفن بين الركود والإيباق هو إظهار الحقائق وإلجاء المجادلين المعاندين إلى الإقرار القهري بعجزهم وانقطاع حيلهم.
كشف التناقض النفسي للمشركين: المجادلون في آيات الله يظهرون الشك والإنكار في حال الرخاء، لكنهم في حال الشدة والهلكة في البحر تذهب شبهاتهم ويعلمون يقيناً أنه لا ملجأ من الله إلا إليه.
تلاحمها مع ختام الآيات السابقة: من كمال حكمته أنه يعفو عن كثير، ويعذب من يشاء؛ ليعلم الذين يجادلون حقيقة مصيرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التفريق بين الجدال المحمود والجدال المذموم: الجدال المذموم المذكور في الآية هو الجدال لرد الحق ونصرة الباطل والتشكيك في الوحي دون برهان، كما قال تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ}، أما الجدال المحمود بالتي هي أحسن لإظهار الحجج وهداية الخلق فمأمور به شرعاً: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
بطلان حجج الشكوكية والإلحاد: الملحد يجادل في وجود الله وفي آياته، لكن المنطق العقلي والواقع العملي يثبتان أنه عند نزول الشدائد القاهرة تتلاشى كل النظريات الفلسفية وتصرخ الفطرة بالاستغاثة بالخالق الأعلى.