بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 545)جامع البيانالطبري٢١/٥٤٥ أن هذه الآية الكريمة هي أصل جامع في تقرير وحدة الشريعة الإلهية في أصولها العقدية الكبرى؛ فالمعنى: سنّ الله لكم أيها الأمة المحمدية وبيّن لكم وشرع من أصول الدين ما وصى به نبيه نوحاً وهو أول رسل أهل الأرض بعد الطوفان، وما أوحينا إليك يا محمد في هذا القرآن، وما وصينا به كبراء الرسل وأولي العزم: إبراهيم وموسى وعيسى، وهو: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}؛ أي أقيموا التوحيد الخالص، وأفردوا الله بالعبادة، وصدقوا برسله وكتبه، والتزموا بشرائعه، ولا تختلفوا في أصول هذا الدين اختلافا يفرق كلمتكم ويشتت شملكم كما تفرقت الأمم الهالكة من قبلكم.
وقوله: {كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 191)مصدر غير محدد٧/١٩١ بأن توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده ونبذ الشركاء والأنداد شق وعظم على قلوب المشركين وثقل على نفوسهم المريضة؛ كقوله تعالى في الزمر: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}.
وقوله: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}: فسرها الطبري وابن كثير بأن الله سبحانه يختار ويصطفي لنبوته ودينه من يعلم من عباده أهلاً للاجتباء والكرامة، ويوفق لطريق الحق والهدى من يقبل على ربه بقلبه وينيب إليه بالتوبة والرجوع الصادق.
وأوضح أئمة التحقيق (كابن تيمية وابن القيم وابن عاشور) أن الرسل الخمسة المذكورين في هذه الآية هم صفوة الخلق وخاتمتهم ورؤوسهم المسمون بـ (أولي العزم من الرسل)، وقد ذكروا مجتمعين في هذا الموضع وفي سورة الأحزاب: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{۞ شَرَعَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو عائد على الله تبارك وتعالى. والشَّرْع في اللغة: النهج الواضح وسن الطريق المستقيم، ومنه الشريعة وهي مورد الماء العذب الصافي.
{لَكُمْ}: متعلق بشرع.
{مِنَ الدِّينِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (ما) تقدم عليها للاهتمام.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لشرع.
{وَصَّى بِهِ نُوحًا}: وصى فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف، وبه متعلق بوصى، ونوحاً مفعول به أول لوصى، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها. والتوصية: العهد والائتمار بأمر مؤكد عظيم الشأن.
{وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}: الواو عاطفة، والذي اسم موصول معطوف على (ما) في محل نصب، وجملة أوحينا صلة الموصول وإليك متعلق بأوحينا.
{وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى}: معطوفات على ما قبلها، وإبراهيم مفعول به منصوب، وموسى وعيسى اسمان معطوفان منصوبان بفتحة مقدرة للتعذر.
{أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ}: (أنْ) مفسرة لما في التوصية والإيحاء من معنى القول دون حروفه، أو مصدرية في محل نصب بدل اشتمال من الموصول والضمائر العائدة عليه، وأقيموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والدين مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{كَبُرَ}: فعل ماض مبني على الفتح لإفادة العظمة والثقل والشدة.
{عَلَى الْمُشْرِكِينَ}: متعلق بكبر وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل كبر؛ أي كَبُر عليهم التوحيد الذي تدعوهم إليه.
{تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}: تدعو فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر والهاء مفعول به وإليه متعلق بتدعو، والجملة صلة الموصول.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة للتعظيم.
{يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ}: يجتبي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء والفاعل مستتر، وإليه متعلق بيجتبي، ومن اسم موصول مفعول به، وجملة يشاء صلته، وجملة يجتبي في محل رفع خبر المبتدأ الله. والاجتباء: الاصطفاء والاختيار والاستخلاص مأخوذ من جبيت الشيء إذا جمعته واستخلصته لنفسك.
{وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}: معطوفة على الجملة السابقة بإعرابها؛ ويهدي فعل مضارع ومن اسم موصول مفعول به، وجملة ينيب صلة الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص هو الدستور الجامع الذي يلخص رسالة الإسلام الكبرى؛ فلما ذكر نزول الوحي العربي في الآية (7) وانقسام الناس، كشف هنا أن هذا الدين ليس ديناً جديداً مبتوراً، بل هو عين ما وصى به أولو العزم من الرسل عبر التاريخ، فالتأم أول السورة بوسطها في سبيكة عقدية واحدة تشهد بصدق النبوة.
الترتيب الذكري لأولي العزم: بدأ بنوح عليه السلام لأنه أول رسول بعد الشرك والطوفان، ثم ثنى برسول الله صلى الله عليه وسلم {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} لتشريفه وتقديمه في الرتبة والفضل ومخاطبة أمته، ثم ذكر إبراهيم وموسى وعيسى؛ ليستوعب أئمة الرسل وأصحاب الشرائع الكبرى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
وحدة أصول الدين واختلاف الشرائع والمناهج: تقرر الآية أصلاً سلفياً وقرآنياً نفيساً؛ فالدين المشترك بين سائر الأنبياء والذي لا يقبل التبديل ولا النسخ هو: التوحيد الخالص لله، والإيمان بالمعاد والجزاء، وإخلاص العبادة، ومكارم الأخلاق، والعدل، والنهي عن الشرك والفواحش والظلم؛ فهذا هو "الدين" المأمور بإقامته في قوله: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}. أما الفروع والشرائع العملية والفرائض التفصيلية فقد اختلفت بحسب الزمان ومصالح الأمم كما قال تعالى في المائدة: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}. وبذلك تبطل شبهة من يزعم أن الإسلام ينسخ التوحيد السابق، بل هو مؤكد له ومهيمن عليه ومتمم لمكارم الشرائع.
النهي الصارم عن التفرق والتحزب في الدين: جعلت الآية التفرق قرين ترك إقامة الدين؛ فبينت أن التنازع والتحزب وتفريق الأمة إلى شيع وأحزاب يوالي بعضهم بعضاً على غير كتاب الله هو هدم لأصل هذا الدين، وموافقة لصنيع أهل الكتاب الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم.
التعبير بمادة {شَرَعَ}: استعارة لطيفة من شريعة الماء؛ للدلالة على أن الدين كالنهر العذب الصافي الذي تحيا به القلوب والأرواح وترتوي منه العقول.
التكرار في {وَصَّى} و{أَوْحَيْنَا} و{وَصَّيْنَا}: إبراز للعناية الإلهية الفائقة بأمر التوحيد، وتأكيد على أنه ميثاق وعهد غليظ أخذه الله على كبار أصفيائه.
المقابلة البديعة في ختام الآية بين {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ} الدالة على محض الفضل والاختيار الإلهي للرسالة والنبوة، وبين {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} الدالة على إثابة العبد الساعي بقلبه المقبل بالتوبة؛ لبيان تكامل الفضل الإلهي والعدل الجزائي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب الحرص على وحدة صف الأمة المسلمة والاعتصام بالكتاب والسنة، ونبذ الفرقة والتحزب والعصبيات الطائفية المقيتة؛ امتثالاً للأمر الإلهي: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}.
الصبر والثبات على الدعوة إلى التوحيد الخالص؛ وإن ثقل ذلك على أهل الشرك والبدع وكَبُر عليهم؛ فإن الحق منصور ومؤيد من عند الله.
الإقبال على الله بقلب منيب تائب مستسلم؛ فإن الإنابة هي المفتاح الأعظم لاستنزال الهداية والتوفيق الرباني: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}.