فسر الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 609)جامع البيانالطبري٢١/٦٠٩ الآية برسم صورة الذل والانكسار التي تعلو الظالمين حين يُعرضون على نار جهنم: {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ}؛ أي خاضعين متطامنين قد انكسرت نخوتهم وبطل كبرياؤهم من شدة الخزي والهوان، {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ}؛ أي يسارقون النظر إلى النار خفية بمؤخر أعينهم كالمذعور المحكوم عليه بالقتل الذي لا يقوى على فتح عينيه ملء وجهه هيبة ورعباً مما يرى.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 211)مصدر غير محدد٧/٢١١ عن قتادة ومجاهد: "يسارقون النظر من شدة الفزع"، وقال السدي: "ينظرون إليها بطرف ذليل مستتر من مخافة أن يلقوا فيها".
وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: قال ابن عباس: خسارة النفس بتخليدها في النار وحرمانها الجنة، وخسارة الأهل إما بتفريقهم بدخول المؤمنين الجنة والكافرين النار، أو لأن أهليهم لو كانوا كفاراً فهم في العذاب معهم، فلا أنس ولا نجاة.
وقوله: {أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ}: إعلان عام من الله تعالى أو من الملائكة بأن هذا العذاب دائم لا ينقطع ولا يحول.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خَاشِعِينَ}: الخشوع: السكون والتطامن والخضوع والذل الظاهر على الجوارح والملامح.
{طَرْفٍ خَفِيٍّ}: الطرف: تحريك الجفن للنظر، والطرف الخفي: النظر المسارق الضعيف المستتر الذي لا يكاد يبين من شدة الفزع.
{مُقِيمٍ}: الإقامة: الدوام والثبات، والعذاب المقيم هو العذاب الخالد الدائم الذي لا يفتر عنهم.
الإعراب:
{وَتَرَىٰهُمْ}: الواو عاطفة، فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء ضمير متصل مفعول به أول، والميم للجمع.
{يُعْرَضُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل نصب مفعول به ثانٍ أو حال.
{عَلَيْهَا}: جار ومجرور متعلقان بيعرضون (والضمير يعود على النار).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اكتمال المشهد الأخروي للظالمين: انتقل النظم من تصوير كلامهم وتمنيهم المرد إلى تصوير هيئاتهم الجسدية وحركات أعينهم وهم يساقون إلى العذاب.
المقارنة بين نطق المؤمنين ونطق الظالمين: الظالمون يتكلمون بذل وتمنٍّ حائر {هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ}، بينما المؤمنون ينطقون بالحكمة واليقين وإعلان الحقيقة الإلهية الخالدة {إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ...}.
تأكيد خلود العذاب بأداة الاستفتاح {أَلَا}: للتنبيه على أن هذا القضاء الإلهي مبرم لا يقبل التبديل ولا التخفيف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حقيقة الخسارة المطلقة: يظن أهل الدنيا أن الخسارة هي فوات الصفقات التجارية أو فقدان الأموال والقصور، والقرآن يصحح هذا المعيار تصحيحاً عقلياً جذرياً: إن الخسارة الحقيقية هي خسارة الوجود الإنساني ذاته وخسارة النعيم الأبدي وتخليد النفس في الجحيم؛ فهذه هي الخسارة التي لا ربح بعدها أبداً.
دقة التعبير النفسي عن النظر: الإعجاز النفسي في وصف نظرة الخائف المحكوم بالإعدام؛ فالإنسان في قمة الذعر لا يستطيع النظر بملء عينيه بل يرمق الخطر بمؤخر عينه في طرف خفي، وهي لقطة قرآنية معجزة لا نظير لها في تصوير الهلع البشري.
التجسيم والتصوير الحسي البديع في {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ}: حيث جمع بين ذل الجوارح {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} وضعف حركة العينين؛ ليجسد مشهد السقوط التام لجبابرة الأرض.
الإيقاع الحاسم في قول المؤمنين: كلام المؤمنين جاء مؤكداً بـ {إِنَّ} مكررة وبصيغة الحصر؛ لبيان تمام الفوز للمتقين وتمام الخسران للظالمين.
الإشارة التدبرية: كبرياء الدنيا الزائف ينقلب في الآخرة إلى ذل مطلق وخزي أبدي، فالعاقل من اتضع لله اليوم ليرفعه في موقف الحساب غداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الوقوع في شباك الخسارة الكبرى؛ بالاستمساك بالإيمان والعمل الصالح وصيانة النفس والأهل من النار: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.
تربية النفس على التواضع والخشوع لله في الدنيا طوعاً؛ صيانةً لها من خشوع الإذلال والقهر في الآخرة.
تقوية عزيمة المؤمنين باليقين بحسن العاقبة وعدالة الله المطلقة في معاقبة البغاة.