بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 601)جامع البيانالطبري٢١/٦٠١ أن الله تعالى يقرر في هذه الآية قواعد العدالة والفضل: فمن أُسيء إليه فله أن يجازي المسيء بمثل سيئته قصاصاً بالعدل والمساواة دون زيادة أو مجاوزة، ومع ذلك فمن عفا عن الجاني وتجاوز عن حقه وأصلح ذات البين بعفوه طلباً لمرضاة الله، فأجره العظيم موكول إلى الله تعالى يتولى إثابته بما لا يبلغه حصر ولا عد، ثم حذر من الاعتداء: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}؛ أي الذين يبتدئون بالإساءة، أو يتجاوزون الحد في استيفاء القصاص.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 208)مصدر غير محدد٧/٢٠٨ عن ابن عباس ومجاهد والسدي أن المراد بـ {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا}: هو القصاص العادل في الدماء والجراح والشتم والأموال، كقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}.
وأورد القرطبي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: "إذا قال له: أخزاك الله، قال: أخزاك الله؛ من غير أن يعتدي". وروي عن علي بن أبي طالب والحسن البصري: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ألا ليقم من وجب أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا وأصلح"، تصديقاً لقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سَيِّئَةٌ}: السيئة الأولى حقيقية لأنها ذنب واعتداء وظلم، والسيئة الثانية مجاز مرسل وسُميت سيئة من باب المشاكلة اللفظية؛ لأنها تسوء الجاني وتؤلمه كما أساء إلى المعتدى عليه.
{أَصْلَحَ}: الإصلاح: إزالة الفساد وتطييب النفوس ورأب الصدع في العلاقات الاجتماعية.
الإعراب:
{وَجَزَاءُ}: الواو استئنافية، {جَزَاءُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
تقييد العفو بالإصلاح: لم يقل (فمن عفا) فقط، بل قال: {وَأَصْلَحَ}؛ ليخرج العفو عن المفسد اللئيم الذي يزيده العفو تجبراً وطغياناً؛ فالعفو لا يشرع إلا إذا ترتب عليه إصلاح الجاني وتأليفه.
إبهام الأجر وتعليقه بذات الله العلية: {فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} تعظيم مذهل للثواب؛ لأن الكريم إذا قال: "أجرك علي"، كان ذلك دليلاً على عطاء لا تحد آفاقه حدود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير القول في العفو متى يُحمد ومتى يُذم: يقرر المحققون (كابن تيمية وابن القيم والسعدي) أن العفو ليس محموداً على الإطلاق؛ فإذا كان الجاني شريراً معتدياً مستهتراً فالأصل معاقبته بالقصاص ردعاً له ولأمثاله، أما إذا كان الجاني نادماً أو يرجى صلاحه فالعفو هنا هو المحمود شرعاً وعقلاً؛ وهو ما دل عليه قيد {وَأَصْلَحَ}.
دفع شبهة الوحشية في القصاص: القصاص هو عين العدالة وحفظ الحياة، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}، ومماثلة العقوبة للجريمة تمنع الثأر العشوائي والاعتداء على الأبرياء، وتضع حداً حاسماً لدائرة العنف.
المشاكلة اللفظية البديعة في قوله: {سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ}: سمى العقوبة العادلة سيئة لمشابهتها للجريمة في الصورة والألم المساء به، وهي من أروع أساليب البلاغة العربية.
الجناس الاشتقاقي والمقابلة: بين العدل في الجزاء بالمثل، والفضل في العفو والإصلاح، والمنع من العدوان في نفي محبة الظالمين.
الإشارة التدبرية: الكريم الحكيم يعفو عمن ظلمه طمعاً في كرم من بيده ملكوت كل شيء؛ فإذا استحضر العبد أن الله سيتولى مكافأته بنفسه هانت عليه كل حقوقه الفانية في الدنيا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التطبيق العملي لميزان العدل والفضل في الحياة اليومية: استيفاء الحقوق بالعدل من غير ظلم، وتقديم العفو والإصلاح عند المقدرة والرجاء في الصلاح.
الحذر الشديد من الاعتداء والظلم عند استيفاء الحقوق؛ فمن زاد في القصاص قيد أنملة دخل في زمرة الظالمين الذين لا يحبهم الله.
نشر روح التسامح والتصالح في المجتمع الإسلامي وتجفيف منابع الخصومات والأحقاد.