بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 529)جامع البيانالطبري٢١/٥٢٩ أن المعنى: تكاد السموات العظام يتشققن وينصدعن {مِنْ فَوْقِهِنَّ} إجلالاً لعظمة الله وهيبة لربوبيته وجلاله وخوفاً من سطوته، أو من ثقل عظمة الرحمن وعرشه المجيد، أو مما يقع في الأرض من كفر المشركين به وادعائهم له الصاحبة والولد كما في سورة مريم: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا}.
وقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 189)مصدر غير محدد٧/١٨٩ بأن الملائكة الكرام مع كمال طاعتهم وخوفهم من ربهم، دائمون على تنزيهه عن النقائص وتقديسه متلبسين بحمده، ومع ذلك يسألون الله المغفرة والتجاوز لمن في الأرض من بني آدم المذنبين؛ رحمة بهم وشفاعة لهم.
ونقل القرطبي عن ابن عباس ومجاهد: أن استغفار الملائكة مقيد بالمؤمنين كما نصت عليه سورة غافر: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}، أو أنه استغفار عام لأهل الأرض بطلب الإمهال ودفع عذاب الاستئصال عنهم ليتوب من سبقت له السعادة.
وخُتمت الآية بالبشارة العظمى: {أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}؛ تنبيهاً على سعة مغفرته التي تسع الذنوب العظام، ورحمته التي سبقت غضبه.
وقرأ نافع والكسائي (يَتَفَطَّرْنَ) بالتاء والتشديد من التفطر، وقرأ الباقون (يَنْفَطِرْنَ) بالنون والتخفيف من الانفطار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَكَادُ}: فعل مضارع ناقص من أفعال المقاربة يرفع الاسم وينصب الخبر، واسمها هو {السَّمَاوَاتُ} مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يَتَفَطَّرْنَ}: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، ونون النسوة فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر تكاد. والتفطر: التشقق العظيم بقوة وشدة.
{مِنْ فَوْقِهِنَّ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيتفطرن، و(فوق) ظرف مكان، والمراد إما انشقاق كل سماء من جهة فوقها من عظمة العرش وفوقية الله، أو تبتدئ الانفطار من أعلاها إلى أسفلها.
{وَالْمَلَائِكَةُ}: الواو حالية أو عاطفة، والملائكة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ}: يسبحون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وبحمد جار ومجرور متعلق بمحذوف حال (متلبسين بحمده)، وربهم مضاف إليه والكاف مضاف إليه، والجملة خبر المبتدأ الملائكة.
{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ}: معطوف على يسبحون، ومن اسم موصول في محل جر باللام، وفي الأرض جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول.
{أَلَا}: أداة استفتاح وتنبيه تفيد تأكيد مضمون ما بعدها والاعتناء به.
{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}: إنّ واسمها، وهو ضمير فصل (أو مبتدأ)، والغفور الرحيم خبراها مرفوعان بالضمة، والجملة مؤكدة استئنافية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد الكوني المهيب يعقب إعلان علو الله وعظمته؛ ليرى السامع أثر ذلك الجلال على أعظم الأجرام (السموات) وعلى أكرم المخلوقات (الملائكة)؛ فالسموات تكاد تنصدع رعباً وهيبة، والملائكة مستغرقون في التسبيح والاستغفار.
التقابل البديع بين هيبة الجلال وسعة الرحمة: بدأت الآية بتصوير كاد ينفطر له الكون من مهابة عظمة الله، وختمت بإعلان المغفرة والرحمة الواسعة؛ ليعيش قلب المؤمن بين خشية الجلال العظيم ورجاء الغفور الرحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
الجمع بين آية الشورى {لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} وآية غافر {لِلَّذِينَ آمَنُوا}: أبان أئمة التفسير (كالطبري وابن كثير والشنقيطي) أوجه التوفيق:
أن المطلق هنا في سورة الشورى محمول ومقيد بالمقيد في سورة غافر؛ فالاستغفار بالمغفرة التامة ودخول الجنة خاص بالمؤمنين قطعا؛ لأن الكافر لا تنفعه شفاعة ولا يغفر له الشرك بإجماع النصوص.
أو أن استغفارهم لمن في الأرض عموماً هو استغفار بدفع العذاب العاجل وإمهالهم للتوبة، واستغفارهم للمؤمنين خاص بنيل الجنة والنجاة من النار.
عظمة الله وهيبة الملائكة داحضة لغرور الإنسان: المحاكمة العقلية تقرع الإنسان الكافر المغتر؛ فالسموات بأجرامها الهائلة والملائكة بقوتهم العظيمة يرتجفون هيبة ويسبحون خضوعاً، فكيف يتجرأ هذا الإنسان الضعيف المخلوق من نطفة على التكبر والإعراض عن ذكر ربه؟!
الدلالة البلاغية لـ {مِنْ فَوْقِهِنَّ}: تصوير حسي فائق الدقة؛ فالانفطار إذا بدأ من الفوق كان أهول وأعظم وقعاً، وإشارة إلى علو العرش والجلال الإلهي المهيمن على سائر الأفلاك.
الاستفتاح بـ {أَلَا} واقتران الضمير {هُوَ}: لإفادة الحصر والكمال المطلق في المغفرة والرحمة، مما يبعث الأمل في قلوب المذنبين للتوبة والإنابة.
عطف {يَسْتَغْفِرُونَ} على {يُسَبِّحُونَ}: لبيان شرف عبودية الملائكة ورأفتهم بعباد الله الضعفاء، واجتماعهم على طاعة الله ونفع خلقه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار مهابة الله تعالى وجلاله؛ فإذا كانت السموات العظام تكاد تتشقق من هيبته، فما أحرى بالقلوب أن تلين وتخشع لآياته وتذرف العيون من خشيته.
محبة الملائكة الكرام والاقتداء بهم في كثرة التسبيح والاستغفار والدعاء للمؤمنين بظهر الغيب.
فتح باب الرجاء التام في مغفرة الله ورحمته؛ فلا ييأس مذنب مهما عظمت خطاياه من عفو الغفور الرحيم إذا بادر بالتوبة الصادقة.