بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 588)جامع البيانالطبري٢١/٥٨٨ أن من حجج الله الباهرة الدالة على كمال قدرته ولطفه: السفن الجارية العظيمة في لجج البحار، وهي تمخر العباب كأنها الجبال الشاهقة، فلا تغرق ولا تضطرب برغم ثقلها وحمولتها إلا بأمر بارئها الذي سخر البحر وأجرى الرياح.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 203)مصدر غير محدد٧/٢٠٣ عن مجاهد وقتادة وسفيان الثوري أن {الْأَعْلَامِ} هي: الجبال؛ فالعلم في لغة العرب هو الجبل الطويل المشهور الذي يستدل به في الطرقات، كما قال الخنساء: "وإن صخراً لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار".
وقال القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن، ج 16، ص 33)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٦/٣٣: هذا من أعظم الاعتبار؛ حيث جعل سبحانه الخشب والحديد يسير على متن الماء اللطيف الرقيق حاملاً الأثقال والمتاجر إلى أقاصي البلدان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْجَوَارِ}: جمع جارية، وهي السفينة، سميت بذلك لجريانها السريع على وجه الماء.
{الْأَعْلَامِ}: جمع عَلَم، وهو الجبل الطويل المشرف.
{الْجَوَارِ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف (رسمت الجوارِ بحذف الياء وصلاً ووقفاً في خط المصحف)، وأصلها (الجواري).
{فِي الْبَحْرِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الجوار.
{كَالْأَعْلَامِ}: الكاف حرف تشبيه وجر، {الْأَعْلَامِ}: اسم مجرور بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف نعت ثانٍ أو حال من الجوار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تنويع الاستدلال بالآيات المشاهدة: بعد أن استدل بخلق السموات والأرض ونشر الدواب وإنزال الغيث، عطف بالاستدلال على آية تسخير البحار وجريان السفن؛ لتكتمل دلائل القدرة في السماء والأرض والبحر.
الامتنان بوسائل المعاش: السفن هي شرايين التجارة وأسباب التواصل بين الأمم ونقل الأرزاق والمنافع، فكان التذكير بها مقتضياً للشكر والتوحيد.
الإعداد لما يتلوها من تقلب الأحوال: مهد بهذه الصورة العظيمة لبيان قدرته على سلب أسباب حركتها (إسكان الريح) أو إهلاكها (إيباقها بالذنوب).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد الظاهرة إلى مسبب الأسباب: قد يغتر الإنسان المعاصر بالقوانين الفيزيائية وقوة الدفع وقوانين الطفو وتصميم السفن العملاقة، والرد القرآني: أن تلك القوانين الفيزيائية ذاتها (كثافة الماء، والطفو، وحركة الهواء، وقوة المواد) ما هي إلا سنن خلقها الله وقدرها وأذن لها بالعمل، فلو اختلت خاصية واحدة من خواص الماء أو الهواء لغرقت تلك السفن كالحجارة، فالصانع الأول والمسخر الحقيقي هو الله تعالى.
بيان هشاشة الإنسان أمام قوى الطبيعة: برغم عظمة السفن كالجبال، فإنها تظل ذرة تائهة في قبضة أمواج البحار وتقلبات الرياح، مما يورث الخضوع للقدرة الإلهية.
التشبيه البليغ المرسل المجمل: تشبيه السفن في ضخامتها وارتفاعها وثباتها بالأعلام (الجبال)، وأداة التشبيه الكاف، ووجه الشبه الضخامة والظهور والاهتداء بها.
حذف الياء في {الْجَوَارِ}: إيجاز لفظي ينسجم مع سلاسة الجريان وخفة الحركة وسرعتها.
الإشارة التدبرية: جريان السفينة في بحر لجي هائج بسلام يشبه مسير المؤمن في بحر هذه الدنيا الفتّان؛ لا ينجيه إلا استمساكه بوحي الله وركوبه سفينة النجاة (الإيمان والعمل الصالح).
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار نعم الله المسخرة في الأسفار والتنقلات البرية والبحرية والجوية؛ والالتزام بدعاء الركوب والحمد.
تعظيم الخالق القادر الذي سخر هذه الأجرام الهائلة لخدمة بني آدم برغم ضعفهم.
التواضع ونبذ الكبر؛ فإن البحر الهائج يكشف حقيقة العجز البشري ويضطر الخلق جميعاً إلى التضرع لرب الأرباب.