بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 548)جامع البيانالطبري٢١/٥٤٨ أن قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} إخبار عن الأمم السابقة وأهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ فما اختلفوا وتفرقوا في دينهم إلى شيع وأحزاب عن جهل وعدم بصيرة، بل تفرقوا من بعد ما قامت عليهم الحجة ونزلت عليهم الكتب وجاءهم العلم اليقين، وإنما حملهم على ذلك (البغي) وهو الحسد والحرص على الرياسة والعداوة والتنافس على حطام الدنيا الزائل.
وقوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 192)مصدر غير محدد٧/١٩٢ بأن الكلمة السابقة هي قضاء الله الأزلي بتأخير الحساب والعقاب إلى يوم القيامة وإمهال العباد في دار الدنيا إلى انقضاء آجالهم المضروبة، ولولا ذلك لعجل لهم العذاب واستأصل المبطلين في الحال.
وقوله: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ}: قال قتادة ومجاهد والسدي: هم متأخرو أهل الكتاب الذين ورثوا التوراة والإنجيل عن آبائهم من غير بصيرة ولا تحقيق، فوقعوا في الشك المقلق الحائر المريب في كتبهم وفي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن العظيم؛ لفساد تقليدهم وبعدهم عن أصل الوحي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سَبَقَتْ}: فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر، والجملة نعت لكلمة.
{مِنْ رَبِّكَ}: متعلق بسبقت.
{إِلَى أَجَلٍ}: متعلق بسبقت أو بمحذوف نعت ثان، و{مُسَمًّى}: نعت لأجل مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر.
{لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ}: اللام واقعة في جواب لولا، وقضي فعل ماض مبني للمجهول، وبينهم ظرف متعلق بقضي وهو القائم مقام نائب الفاعل، والجملة جواب شرط غير جازم لا محل لها.
{وَإِنَّ}: الواو حالية أو استئنافية، وإنّ حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب اسم إنّ.
{أُورِثُوا}: فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول، والجملة صلة الموصول.
{مُرِيبٍ}: نعت لشك مجرور بالكسرة الظاهرة، وهو اسم فاعل من أراب يريب إذا أوقع في الريبة والاضطراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يعقب الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه في الآية السابقة: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ}؛ فبين سبحانه هنا كيف وقع التفرق في الأمم السابقة محذراً الأمة المحمدية من سلوك مسلكهم.
كشف العلة الحقيقية للتفرق: لم يكن التفرق ناتجاً عن غموض الحق أو نقص الحجة، بل نشأ عن داء أخلاقي وبلاء نفسي وهو (البغي والحسد)، ليعلم المسلمون أن العلم المجرد لا يحصم من الفتنة إذا فسدت النوايا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير سبب اختلاف أهل الملل: قد يتساءل سائل: إذا كان الدين واحداً والكتب من عند الله، فلماذا اختلفت الأمم وتفرقت؟ والجواب الحاسم في قوله: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ}؛ فليس العيب في التنزيل ولا في الرسل، بل هو بغي الأحبار والرهبان وطلاب الرياسة الذين حرفوا الكلم عن مواضعه طلباً للجاه وحظوظ الدنيا، فالبغي هو أصل كل فرقة وابتداع.
حكمة استمرار الإمهال الإلهي: تقرر الآية أن تأخير عقوبة أهل الفرقة والباطل ليس رضاً بصنيعهم، بل هو لإنفاذ الأجل المسمى المكتوب في علمه الأزلي، لتقوم الحجة التامة ويستوفي كل إنسان عمله في دار الابتلاء.