بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 541)جامع البيانالطبري٢١/٥٤١ أن قوله تعالى: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} نعت للمولى جل جلاله؛ أي مبدعهما وخالقهما على غير مثال سابق، {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا}: خلق لكم من جنسكم نساء لتسكنوا إليها وتتوالدوا، {وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا}: وخلق للأنعام كذلك ذكوراً وإناثاً لأجل التكاثر والمنافع.
وقوله: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ}: فسرها ابن عباس ومجاهد وقتادة بأن الذرء هو البث والنشر والتكثير في الأرض؛ أي يكثركم وينمي نسلكم بهذا التزاوج في بطن إثر بطن وقرن إثر قرن، وجعل الضمير في (فيه) عائداً على التزاوج والتدبير المفهوم من السياق، أو في الرحم، أو في البطن، أو في الأرض.
وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}: نقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 190)مصدر غير محدد٧/١٩٠ إجماع أئمة السنة والسلف على أن هذه الجملة الكريمة هي قطب رحى التوحيد وقاعدته الكبرى في باب الأسماء والصفات؛ فالله تبارك وتعالى منزه عن مماثلة المخلوقين وشبههم في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا شبيه له ولا نظير ولا مثيل، ومع هذا التنزيه المطلق أثبت لنفسه كمال صفة السمع والبصر {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} إثباتاً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته، رداً على أهل التعطيل الذين نفوا الصفات، ورداً على أهل التمثيل والتشبيه الذين شبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
فَاطِرُ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو فاطر)، أو بدل من لفظ الجلالة في الآية السابقة مرفوع بالضمة، وهو مضاف. والفاطر في اللغة: الخالق المبتدع للشيء ابتداء شاقاً لعدمه.
السَّمَاوَاتِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَالْأَرْضِ
معطوف مجرور بالكسرة.
جَعَلَ
فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر ثان أو نعت.
لَكُمْ
متعلق بجعل.
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بجعل أو بمحذوف حال من أزواجاً.
أَزْوَاجًا
مفعول به لجعل منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا
معطوف على ما قبله.
يَذْرَؤُكُمْ
فعل مضارع مرفوع بالضمة وفاعله ضمير مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به والميم للجمع، والذرء هو الخلق والتكثير والنشر.
فِيهِ
جار ومجرور متعلق بيذرؤكم، والضمير عائد على الجعل أو الزوج أو الرحم أو البطن.
لَيْسَ
فعل ماض ناقص جامد يفيد النفي.
كَمِثْلِهِ
الكاف حرف جر زائد لتأكيد النفي عند جمهور أئمة اللغة والمفسرين (كسيبويه والمبرد والزجاج والقرطبي وابن كثير)، و{مِثْلِهِ}: مجرور لفظاً منصوب محلاً على أنه خبر ليس مقدم، والهاء مضاف إليه. وقيل: المثل مقحم أو الكاف غير زائدة وتأويله: ليس كذاته شيء على سبيل الكناية المعهودة في لسان العرب.
شَيْءٌ
اسم ليس مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَهُوَ
الواو عاطفة أو حالية، وهو ضمير منفصل مبتدأ.
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
خبرا المبتدأ مرفوعان بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم الإلهي العظيم يجمع بين نعم التدبير الحياتي والتناسلي في الأرض، وبين أقدس حقائق التنزيه العقدي في السماء؛ فلما ذكر خلق الأزواج وتكثير البشر والأنعام، عقّب فوراً بنفي المماثلة {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؛ لئلا يسبق إلى وهم جاهل قياس الخالق المبدع لهذه الأصناف والذكورة والأنوثة على خلقه، أو توهم حلوله في شيء منها؛ فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الجمع بين النفي والإثبات في صفات الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (تنزيه ونفي للشبيه)، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (إثبات لصفات الكمال)؛ ليتحقق التوحيد السلفي النقي من آفتي التشبيه والتعطيل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة أهل السنة الكبرى في الأسماء والصفات (الإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل): تفضح هذه الآية الكريمة انحراف طائفتين ضالتين:
طائفة المشبهة والممثلة: الذين زعموا أن صفات الله تشبه صفات المخلوقين؛ فردت عليهم الآية بالصدر الصريح: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}؛ فنفت المماثلة والشبه نفياً قاطعاً لا يحتمل التأويل.
طائفة المعطلة والجهمية: الذين زعموا أن إثبات الصفات يقتضي التشبيه فنفوا سمع الله وبصره وسائر صفاته؛ فردت عليهم الآية بالعجز الباهر: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}؛ فأثبتت السمع والبصر حقيقة لله مع سبق نفي المشابهة، فدل ذلك قطعاً على أن إثبات الصفات لله لا يقتضي مشابهة خلقه، بل لله سمع يليق بجلاله، وللمخلوق سمع يليق بضعفه وعجزه، والاشتراك في أصل الاسم لا يقتضي المماثلة في الحقيقة والكيفية.
زيادة الكاف في {كَمِثْلِهِ}: المحاكمة اللغوية تثبت أن الكاف دخلت لتوكيد نفي المثلية وإحكامها؛ فلو قيل (ليس مثله شيء) لكان نفياً للمثل، فلما زيدت الكاف صار المعنى: لا مثل لمثله فضلاً عن أن يكون له مثل؛ وهو أبلغ نفي مستعمل في كلام العرب لنفي النظير والشريك من كل وجه.
الإعجاز في الجمع بين كمال التنزيه وكمال الإثبات في تسع كلمات: جمعت هذه الآية خلاصة عقيدة التوحيد في أوجز عبارة وأبلغ بيان، فصارت ميزاناً يزن به العبد كل خاطرة تخطر بباله في شأن الرب؛ فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك.
التعبير بالذرء {يَذْرَؤُكُمْ}: مادة تدل على البث والنشر الحيوي المعجز في أرجاء الأرض، وإسناده إلى الله اعتراف بجميل نعمته في حفظ النوع الإنساني والحيواني.
تقديم السمع على البصر في الأسماء الحسنى: لمناسبته لعموم إدراك الأصوات وخفايا النوايا والمناجاة في كل مكان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توطين القلب على تعظيم الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله؛ فلا يتوهم المسلم في ربه كيفاً ولا شكلاً، بل يثبت ما أثبته لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
مراقبة السميع البصير في كل سر وعلانية؛ فمن استيقن أن ربه يسمع كلامه ويرى مكانه استحيا أن يعصيه أو يراه على ما يكره.