روى الإمام أحمد في (المسند، رقم 648)مسند الإمام أحمدأحمد بن حنبلحديث رقم ٦٤٨ والترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل وحدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، قال: وسأفسرها لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه".
وبيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 584)جامع البيانالطبري٢١/٥٨٤ أن المصائب التي تصيب العباد في أبدانهم وأموالهم وأهليهم إنما هي جزاء لذنوب اقترفوها، وما يعفو الله عنه ويتجاوز عنه من سيئاتهم أكثر مما يؤاخذهم به، ولو آخذهم بكل ما كسبوا لما ترك على ظهرها من دابة.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 201)مصدر غير محدد٧/٢٠١ عن الحسن البصري رحمه الله أنه لما نزلت هذه الآية قال: "علم والله أنكم تذنبون، فما عاقبكم به فبذنب، وما عفا عنه فأكثر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُصِيبَةٍ}: المصيبة: كل مكروه ينزل بالإنسان من مرض أو حزن أو فقر أو بلاء، وأصلها من الصوب وهو النزول والوقوع بدقة.
{فَبِمَا كَسَبَتْ}: الكسب: الجناية والعمل الذي يجلب به الإنسان على نفسه نفعاً أو ضراً، وذكر الأيدي خرج مخرج الغالب لأن أكثر الأعمال تزاول بالأيدي.
الإعراب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، {مَا}: اسم شرط جازم أو اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَصَابَكُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم أو صلة الموصول، والكاف مفعول به، والفاعل مستتر.
{مِنْ مُصِيبَةٍ}: {مِنْ}: بيانية، {مُصِيبَةٍ}: اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً على التمييز.
{فَبِمَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط أو واقعة في خبر الموصول، الباء سببية، {مَا}: موصولية أو مصدرية في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ.
{وَيَعْفُو}: الواو عاطفة أو استئنافية، فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والفاعل مستتر تقديره هو.
{عَنْ كَثِيرٍ}: جار ومجرور متعلقان بيعفو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تنزيل القضايا الكلية على واقع المكلفين: بعد الحديث عن الآيات الكونية الكبرى، عاد السياق لملامسة واقع النفوس البشرية وما يعتريها من آلام ومصائب وابتلاءات.
الجمع بين العدل والفضل: قوله: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} مظهر العدل الإلهي في المؤاخذة، وقوله: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} مظهر الفضل والرحمة والحلم؛ ليجتمع في قلب المؤمن الخوف من الذنوب والرجاء في سعة العفو.
تأكيد المسؤولية الفردية: الآية تقطع دابر التواكل وإلقاء اللوم على الأقدار، وتربط النتائج بمقدماتها من كسب العبد واختياره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ابتلاء الأنبياء والأطفال والصالحين: قد يشكل على البعض: كيف يقال إن كل مصيبة بالذنب مع أن الأنبياء أشد الناس بلاء وهم معصومون، والأطفال يمرضون ولا ذنب لهم؟ والجواب: أن الآية خرجت مخرج الغالب على عموم المكلفين من بني آدم، أما بلاء الأنبياء والأطفال والصلحاء فله حكم أخرى؛ كرفع الدرجات، وإظهار الصبر، ومضاعفة الأجور، وتطهير النفوس؛ كما ثبت في الحديث: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل".
دفع الفهم الجبري للشرور: الآية صريحة في إثبات كسب العباد واختيارهم وأنهم هم المتسببون في حلول العقوبات، فلا حجة لعاص بالقدر؛ لأن كسبه هو مناط الجزاء.