بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 612)جامع البيانالطبري٢١/٦١٢ أن الله تعالى يوجه نداء حاراً لعباده يأمرهم فيه بالمبادرة إلى الإيمان به وطاعة أمره وأمر رسوله، قبل حلول يوم القيامة الذي لا يقدر أحد على رده ودفعه إذا أمر الله بمجيئه؛ فإنه واقع بمشيئة الله وحكمه وقضائه الذي لا مرد له ولا معقب لحكمه.
وقوله: {مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ}: قال ابن عباس وقتادة: ما لكم من حصن ولا معقل تلجؤون إليه يعصمكم من عذاب الله، {وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ}: قال مجاهد وابن كثير: أي لا منكر ينكر ما ينزل بكم من العذاب ليدفعه عنكم، أو لا تقدرون على إنكار ذنوبكم وأعمالكم إذا شُهدت عليكم جوارحكم وصحائفكم.
وذكر السعدي في (تفسيره، ص 761)مصدر غير محدد٧٦١ أن هذا الخطاب من ألطف ما يخاطب به الرب الرحيم عباده؛ حيث يحذرهم من فوات الأوان واستحكام الخسران يوم تنقطع الحيل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{اسْتَجِيبُوا}: أمر بالاستجابة، وهي الطاعة والانقياد السريع برغبة وإخلاص.
{مَرَدَّ}: مصدر ميمي؛ أي لا رد له ولا دفع لوقوعه.
{مَلْجَإٍ}: الملجأ: الحصن والمكان الآمن الذي يلجأ إليه الهارب ليتحصن فيه من الخطر.
{نَكِيرٍ}: النكير: مصدر بمعنى الإنكار أو الإنكار للدفاع، أو بمعنى منكر (اسم فاعل) ينكر ما يحل بهم.
الإعراب:
{اسْتَجِيبُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{يَوْمَئِذٍ}: ظرف زمان مركب مبني على الكسر متعلق بمحذوف حال من ملجأ أو بالخبر.
{وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ}: معطوف على الجملة السابقة بإعرابها نفسه وتوكيد نفي النكير بمن الزائدة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال إلى الإنذار المباشر والدعوة إلى المبادرة: بعد أن رسم المشاهد الأخروية الصادمة لعذاب الظالمين وذلهم، وجه النداء الإلهي المباشر للعقلاء: استجيبوا الآن قبل أن يفجأكم هذا اليوم المهول.
إحكام المنافذ النفسية والمادية: نفى وجود أي ملجأ مادي (الحصون والمعاقل) ونفى أي إنكار معنوي (إنكار الذنوب أو وجود مدافع ينكر العقوبة)؛ لإلجاء النفس إلى التسليم التام.
انسجامها مع طبيعة السورة الشورية والتشريعية: حث الأمة على إقامة الدين وطاعة الرب والتناصح قبل انقضاء الأجل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى {لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ}: قد يتوهم واهم أن المعنى لا يرد الله ذلك اليوم، ولكن التحقيق أن المعنى: إذا قضى الله مجيئه فلا أحد من الخلق يستطيع رده أو دفعه عن أمر الله وسلطانه؛ فالأمر كله لله الواحد القهار.
فساد التعلل بالتسويف: الآية تهدم أعظم مكايد الشيطان وهي (التسويف وطول الأمل)؛ فمجيء اليوم مباغت محتوم، والموت يأتي بغتة، فكان العقل الصريح يوجب المسارعة بالاستجابة في الحاضر قبل فوات القدرة في المستقبل.