بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 577)جامع البيانالطبري٢١/٥٧٧ أن في تأويل قوله تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وجهين جليلين لأئمة التفسير والسلف:
الوجه الأول: أن الفاعل هو (الذين آمنوا)؛ والمعنى: ويستجيب المؤمنون الصالحون لربهم فيما دعاهم إليه وأمرهم به من الطاعات والتوحيد والتوبة، فينقادون لحكمه انقياداً تاماً، ويزيدهم الله من فضله على أعمالهم بتضعيف الأجر والتوفيق للخير والبركة في الرزق.
الوجه الثاني: أن الفاعل هو (الله) عز وجل، و(الذين آمنوا) مفعول به منصوب بتقدير: ويستجيب الله للذين آمنوا دعاءهم ومسألتهم وشفاعتهم، ويزيدهم من فضله فوق ما سألوا وتمنوا؛ كقوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ}.
وروى الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} قال: «يشفّعهم في إخوانهم، ويزيدهم من النعيم ما لم تر عين ولم تسمع أذن». ونحوه عن قتادة ومجاهد.
وقوله: {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}: ختام المقطع ببيان مصير المعاندين المقابل؛ فبينما يتقلب المؤمنون في الاستجابة والزيادة والفضل، ينحصر مآل الكافرين في العذاب البالغ الشدة في نار جهنم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَيَسْتَجِيبُ}: الواو عاطفة أو استئنافية، ويستجيب فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع فاعل يستجيب (على الوجه الأول: أي يستجيبون لله)، أو في محل نصب مفعول به (على الوجه الثاني: بحذف حرف الجر أي يستجيب للذين، أو مفعول به صريح).
{آمَنُوا}: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف على آمنوا منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{وَيَزِيدُهُمْ}: الواو عاطفة، ويزيد فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو عائد على الله، والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
{مِنْ فَضْلِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيزيدهم، وهو المفعول الثاني أو متعلق بمحذوف.
{وَالْكَافِرُونَ}: الواو استئنافية، والكافرون مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{عَذَابٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{شَدِيدٌ}: نعت لعذاب مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الكافرون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو الخاتمة المباركة للشطر الأول من سورة الشورى؛ فبعد أن قرر فتح باب التوبة والعفو، أتبعه ببيان ثمرة الإيمان والاستجابة لله ولرسوله؛ فالاستجابة تثمر الفضل المضاعف والزيادة الإلهية، بينما الإعراض والكفر يورثان العذاب الشديد.
المقابلة التامة بين حال المؤمنين المستجيبين الذين يزادون فضلاً وإحساناً، وبين حال الكافرين المعاندين الذين يستقرون في العذاب الشديد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تكامل وجهي التفسير في الاستجابة: لا تعارض بين القولين التفسيريين؛ فالاستجابة من العبد لله بالطاعة والإنابة {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا} تستلزم استجابة الله له بالدعاء والقبول والمغفرة؛ فمن أقبل على الله بالطاعة أقبل الله عليه بالإجابة والزيادة من فضله، كما في الحديث القدسي: «إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا... وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (صحيح البخاري، رقم 7405)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٧٤٠٥.
حقيقة الزيادة {مِنْ فَضْلِهِ}: تفوق الزيادة الإلهية كل كسب بشري؛ فالعبد يعمل الحسنات المعدودة والله تعالى يضاعفها أضعافاً كثيرة، ويزيده من الفضل والبركات في الدنيا والآخرة ما لا يبلغه عمله المجرد، وهذا أبلغ برهان على سعة كرم الرب الشكور.
الجمع بين وصفي {آمَنُوا} و{عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: لتقرير التلازم بين الإيمان القلبي والعمل الجوارحي؛ فالإيمان لا يكمل ولا تثمر شجرته الزيادة الإلهية إلا بالعمل الصالح.
التعبير بالمضارع {وَيَزِيدُهُمْ}: للدلالة على استمرار الزيادة وتجدد فيوضات الفضل الإلهي في كل مرحلة من مراحل الدارين.
تنكير {عَذَابٌ} ووصفه بـ {شَدِيدٌ}: للتهويل والفظاعة في مقابلة الفضل الكبير للمؤمنين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة إلى الاستجابة التامة لأمر الله وشرعه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دون تردد؛ فإن في الاستجابة الحياة والكرامة والزيادة.
الإكثار من الدعاء والتضرع مع حسن الظن بالإجابة؛ فالله يستجيب لعباده المؤمنين ويزيدهم فوق ما يسألون من خيري الدنيا والآخرة.
استشعار الفرقان الهائل بين منقلب أهل الطاعة والاستجابة ومنقلب أهل الكفر والعناد.