بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 543)جامع البيانالطبري٢١/٥٤٣ أن المقاليد في لسان العرب هي المفاتيح، واحدها مِقْلاد أو مِقْلِيد؛ والمعنى: لله وحده مفاتيح خزائن السموات والأرض وما فيها من الأرزاق والرحمات والغيوث والنعم والبركات، بيده فتحها وإغلاقها، وخزائنها طوع أمره وتدبيره، نقله عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي.
وقوله: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 191)مصدر غير محدد٧/١٩١ بأن الله يوسع الرزق على من يشاء من عباده لحكمة بالغة، ويضيق ويقتر على من يشاء لحكمة عادلة؛ لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: عالم بما يصلح أحوال عباده؛ فيعطي من يعلم أن الغنى يصلحه، ويمنع من يعلم أن الفقر خير له وأصلح لدينه ودنياه.
ونقل القرطبي أن تكرار ذكر المقاليد وبسط الرزق وقدره في القرآن يقطع دابر الطمع في المخلوقين ويرسخ عقيدة التوكل على الرزاق ذي القوة المتين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص يقرر الملكية التنفيذية الحية لخزائن الوجود بعد إثبات كمال التنزيه والخلق في الآية السابقة؛ فالله ليس فقط فاطر السموات والأرض، بل هو الممسك بمفاتيح خزائنها والمصرف لأرزاق أهلها في كل لحظة، فلا استغناء عنه طرفة عين.
الجمع بين المقاليد وبسط الرزق وقدره: لبيان أن سعة الرزق أو ضيقه ليست مسألة مصادفة ولا تابعة لحيل البشر المجردة، بل هي إرادة نافذة تفتح وتغلق بمفاتيح الحكمة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التفاوت في الأرزاق وعدالة القسمة: تجيب الآية عن شبهة قديمة يثيرها بعض قاصري الفهم: لمَ لا يسوي الله بين الناس جميعاً في الرزق والغنى؟ والجواب مقرون بختام الآية: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}؛ فالتفاوت في الأرزاق ضرورة لاستقامة الحياة وعمارة الأرض بالتعاون والعمل، كما أن الغنى فتنة وبلاء قد يطغي صاحبه، والفقر ابتلاء قد يصلح شأن العبد، فعلم الله المحيط بطبائع النفوس ومآلات الأمور هو الذي يدبر البسط والقدر بحكمة لا يعتريها خلل.
انفراد الله بمفاتيح الرزق يقتضي إفراده بالتوكل: إقامة برهان عقلي على بطلان الخضوع للمخلوقين من أجل الرزق؛ فما دام العباد لا يملكون مقاليد السموات والأرض، ولا يملكون بسطاً ولا تضييقاً إلا بقدر الله، فإن الذل لهم والتماس الرزق بمعصية الله غاية الخسران والسفه.
الاستعارة التصريحية أو التمثيلية في {مَقَالِيدُ}: صور خزائن النعم والرحمات والأقدار بقصور ومستودعات ضخمة مغلقة لا تفتح إلا بمقاليد ومفاتيح يملكها الملك الحق وحده، مما يخلع على المعنى هيبة وتفخيماً عظيماً.
المقابلة والطباق البديع بين {يَبْسُطُ} و{يَقْدِرُ}: لإحاطة القدرة الإلهية بجميع حالات العباد؛ توسيعاً وتضييقاً.
تقديم الجار والمجرور في {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: للاهتمام وتأكيد إحاطة علمه التامة بكل ذرة ومصلحة ومآل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير النفس من الخوف على الرزق والحرص المذموم؛ فالأرزاق مقسومة بمقاليد العزيز الحكيم، وما قدر لك سيأتيك على ضعفك، وما لم يقدر لك لن تناله بقوتك.
الرضا بقضاء الله وقدره فيما قسمه للعبد من قلة أو كثرة؛ واليقين بأن ما اختاره الله للعبد خير مما يختاره لنفسه.
دوام الاستغفار وسؤال الله من فضله؛ فإن مفاتيح الخيرات بيده وحده، والاستغفار والتقوى من أعظم أسباب بسط الأرزاق وبركتها.