بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 538)جامع البيانالطبري٢١/٥٣٨ أن (أَمْ) في قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} منقطعة بمعنى بل والهمزة الاستفهامية؛ تفيد الإضراب عن الكلام السابق والانتقال إلى توبيخ المشركين وتقريعهم على اتخاذهم الأصنام والآلهة الباطلة أولياء من دون الله.
وقوله: {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ}: أي إن كانوا يطلبون ولياً حقاً يتولاهم وينصرهم ويدبر شؤونهم فالله وحده هو الولي الحق؛ الذي تجب موالاته وإفراده بالعبادة؛ إذ هو الخالق الرازق القادر المنعم.
وقوله: {وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: برهان ساطع على ولايته الحقة؛ فالقادر على إحياء الموتى بعد بلائهم، المقتدر على كل شيء لا يعجزه مطلوب، هو الذي يستحق الولاية، أما الجمادات العاجزة والآلهة الزائفة التي لا تنفع ولا تضر فكيف تتخذ أولياء من دون الله؟!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوْلِيَاءَ}: مفعول به منصوب بالفتحة ممنوع من الصرف.
{فَاللَّهُ}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر تقديره: (إن أرادوا ولياً فالله هو الولي)، ولفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة للتعظيم.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثان.
{الْوَلِيُّ}: خبر المبتدأ (أو خبر المبتدأ الثاني)، والجملة جواب الشرط المقدر. والولي في لسان العرب: الناصر والمعين والمتولي للأمر.
{وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى}: الواو عاطفة، وهو مبتدأ، وجملة يحيي الموتى خبره في محل رفع.
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: الواو عاطفة، وهو مبتدأ، وعلى كل شيء متعلق بقدير، و{قَدِيرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو صيغة مبالغة على وزن فعيل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم القرآني يقرع عقول المشركين بالاستفهام التقريعي التوبيخي بعد أن بيّن أن الظالمين لا ولي لهم ولا نصير؛ فانتقل ليواجههم بجريمتهم: كيف تعطلون عقولكم فتتخذون أولياء عاجزين، والله هو الولي القادر على الإحياء والإماتة؟!
التدرج البرهاني: بدأ بتقرير الولاية الحقة {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ}، ثم احتج عليها ببرهان الإحياء {وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى} وهو أعظم ما يفتقر إليه الإنسان عند فنائه، ثم عمم القدرة على سائر الممكنات {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}؛ ليقطع دابر أي تردد في وجوب إخلاص الولاية له سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شروط الولاية الحقة وإبطال ولاية المخلوقين: تقدم الآية محاكمة عقلية صارمة في علم التوحيد؛ فالولي الحقيقي الذي يصح الاعتماد عليه لا بد أن تتوفر فيه ثلاثة شروط عقلية ووجودية:
أن يكون مالكاً حقيقياً متصرفاً، وهذا معنى {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ}.
أن يملك التصرف في الحياة والموت، لينقذ وليه من الهلاك الأبدي، وهذا قوله: {وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى}.
أن تكون قدرته مطلقة لا يحدها عجز ولا نقص، وهذا قوله: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. فإذا ثبت بالعقل والمشاهدة أن الأصنام والمخلوقين لا يملكون ذرة من هذه الشروط، كان اتخاذهم أولياء سفه ضلال محض.
قصر الولاية الحقة: تعريف الطرفين (المبتدأ والخبر) في {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} مقروناً بضمير الفصل يفيد القصر والحصر العقلي والشرعي؛ فلا ولاية حقة ناصرة كافية إلا ولاية الله وحده.