بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 561)جامع البيانالطبري٢١/٥٦١ أن المعنى: من كان بعمله وسعيه وطاعته في هذه الحياة الدنيا يريد ثواب الدار الآخرة وما أعد الله فيها للمتقين، نبارك له في سعيه ونضاعف له ثواب حسناته (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة)، ونوفقه لمزيد من الصالحات، {وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا}: ومن كان بسعيه وعمله لا يريد إلا العاجلة الفانية وزينتها ومكاسبها، نؤته منها ما قسمناه له في علمه وقدره، وليس له في الدار الآخرة حظ ولا نصيب ولا ثواب؛ لأنه لم يعمل لها ولم يقصد وجه ربه.
وروى الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة قال: «إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا»، ونحوه عن ابن عباس والحسن والسدي.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 195)مصدر غير محدد٧/١٩٥ الآية بنظيرتها في سورة الإسراء: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَنْ}: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، واسمها ضمير مستتر تقديره هو.
{يُرِيدُ}: فعل مضارع وفاعله مستتر، والجملة في محل نصب خبر كان.
{حَرْثَ الْآخِرَةِ}: حَرْثَ مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف، والآخرة مضاف إليه مجرور، والحرث في الأصل: شق الأرض وإلقاء البذر فيها لإنتاج الزرع، واستعير هنا للعمل الصالح وكسب الطاعات وثوابها.
{نَزِدْ}: فعل مضارع مجزوم بالسكون في جواب الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، والجملتان خبر المبتدأ من.
{لَهُ}: متعلق بنزد.
{فِي حَرْثِهِ}: متعلق بنزد، والهاء مضاف إليه؛ أي نضاعف له ثواب كسبه وبركة عمله.
{وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا}: معطوفة على جملة الشرط السابقة بنظمها وإعرابها.
{نُؤْتِهِ}: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء) في جواب الشرط، والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به أول.
{مِنْهَا}: متعلق بنؤته و(مِنْ) للتبعيض؛ أي نؤته بعض ما قسمناه له لا كل ما يتمناه.
{وَمَا}: الواو حالية، و(ما) نافية تعمل عمل ليس أو مهملة.
{لَهُ}: متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{فِي الْآخِرَةِ}: متعلق بمحذوف حال من نصيب.
{مِنْ نَصِيبٍ}: (مِنْ) حرف جر زائد لتأكيد النفي، ونصيب مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر؛ أي ما له أي حظ أو نصيب في الجنة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص التشريعي والتربوي الفاصل يأتي لضبط بوصلة النوايا والمقاصد بعد ذكر الرزق وبسطه في الآية السابقة؛ ليعلم الإنسان أن الدنيا مزرعة والآخرة حصاد، وأن العاقل هو من يجعل كده وسعيه موجهاً لدار القرار الأبدي لا للدار الفانية الزائلة.
المقابلة الدقيقة بين الجزاءين: في حرث الآخرة وعد بالزيادة والمضاعفة {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ}، وفي حرث الدنيا قال: {نُؤْتِهِ مِنْهَا} بـ (من) التبعيضية المقيدة بالمشيئة، ثم ختم بالحرمان القاطع في الآخرة {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}؛ لإظهار الغبن الهائل الذي يقع فيه مريد الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مركزية النية والإخلاص في قبول الأعمال: تقرر الآية أصلاً إيمانياً متفقاً عليه؛ وهو حديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (صحيح البخاري، رقم 1)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ١؛ فالعمل الدنيوي قد ينقلب إلى حرث أخروي بالنية الصالحة وإرادة مرضاة الله، والعمل الأخروي الظاهر كالجهاد والصدقة والتعليم قد ينقلب إلى وبال ونار إذا كان القصد منه الرياء والثناء الدنيوي وحرث الدنيا الزائل.
بطلان الاغترار بالعطاء الدنيوي: التعبير بـ {نُؤْتِهِ مِنْهَا} محاكمة عقلية تفضح بؤس طلاب الدنيا؛ فالطالب للدنيا لا ينال كل ما يطلبه بل يعطى بعض ما قدر له فقط، ويبذل في سبيله شبابه وصحته وعمره، ثم يخرج منها صفر اليدين مفلساً في الآخرة من كل نصيب، فكانت صفقته أخسر الصفقات.
الاستعارة التمثيلية الرائعة في لفظ {حَرْثَ}: صور الكسب والسعي في الحياة الدنيا بفلاحة الأرض وبذر البذور؛ فالحارث يبذر حبة فيخرج الله له سنابل، فمن بذر الإيمان والعمل الصالح حصد جنات الخلود مضاعفة، ومن بذر حب الدنيا الزائلة حصد سراباً وهباءً منثوراً.
دخول (مِنْ) التبعيضية في {مِنْهَا}، و(مِنْ) الاستغراقية في {مِنْ نَصِيبٍ}: إبراز لقلة ما يناله في الدنيا وحقارة حجمه، ونفي مطلق لأي ذرة من النعيم في الآخرة.