بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 550)جامع البيانالطبري٢١/٥٥٠ أن هذه الآية الكريمة جمعت عشر جمل مباركات تعد أصولاً جامعة لدستور الدعوة الإسلامية وثبات النبي صلى الله عليه وسلم وأمته؛ فالمعنى: فلأجل ذلك الدين القويم والتوحيد الخالص الذي وصى به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، والذي تفرقت فيه الأمم بغياً، فادع الناس يا محمد إلى الاعتصام به وإقامته، {وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}: والزم الصراط المستقيم في نفسك ودعوتك كما أمرك ربك، {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}: ولا تتبع أهواء المشركين واليهود والنصارى فيما اقترحوه عليك من الباطل وترك التوحيد.
وقوله: {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ}: إعلان الإيمان الجامع بكل كتاب أنزله الله من السماء على أي نبي من الأنبياء، {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}: في الحكم والقضاء والتبليغ فلا أحابي قريباً ولا أظلم بعيداً.
وقوله: {اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ}: تقرير الربوبية الجامعة للجميع، {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ}: براءة وتحديد للمسؤولية الفردية؛ فكل امرئ مجزي بعمله، {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ}: أي لا خصومة ولا جدال بعد أن وضح الحق وسطع البرهان وانكشفت المعاندة، {اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا}: يوم القيامة للحساب والجزاء، {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}: المرجع والمآل الذي لا مفر منه.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 193)مصدر غير محدد٧/١٩٣ إجماع المفسرين على جلالة هذه الآية وكمال انتظامها ودلالتها على كمال الإنصاف والعدل والاستقامة النبوية المعصومة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَلِذَلِكَ}: الفاء فصيحة، واللام حرف جر للتعليل، وذلك اسم إشارة مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلق بفادع، ودخلت الفاء في {فَادْعُ} لتأكيد الربط والترتيب، وادع فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الواو) وفاعله مستتر تقديره أنت.
{وَاسْتَقِمْ}: الواو عاطفة، واستقم فعل أمر مبني على السكون وحذفت عينه لالتقاء الساكنين وفاعله مستتر.
{كَمَا أُمِرْتَ}: الكاف حرف جر وتشبيه، و(ما) مصدرية أو موصولة، وأمرت فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل، والمصدر المؤول في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق لاستقم؛ أي استقامة كائنة كالأمر الذي أمرت به.
{وَلَا تَتَّبِعْ}: (لا) ناهية جازمة، وتتبع فعل مضارع مجزوم بالسكون والفاعل مستتر، و{أَهْوَاءَهُمْ}: مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
{وَقُلْ آمَنْتُ}: قل فعل أمر، وآمنت فعل ماض والتاء فاعل، والجملة مقول القول.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشتمل هذه الآية الكريمة على عشر جمل تامة مستقلة المعنى مترابطة المقصد، في نسق إعجازي فريد لم يجتمع مثله في القرآن إلا في آية الكرسي؛ فرسمت منهجاً متكاملاً للداعية المسلم في مواجهة الشبهات والانحرافات.
التدرج من الأمر الذاتي (الدعوة والاستقامة والنهي عن اتباع الهوى)، إلى إعلان المبادئ الكبرى (الإيمان بالكتب، والعدل المطلق، ووحدة الربوبية)، إلى حسم الموقف مع المخالفين (المسؤولية الفردية، وقطع اللجاج، والتفويض لمحكمة الآخرة).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ}: قد يتوهم واهم أن هذا نهي عن إقامة الحجج والبراهين، والرد الحاسم: أن الحجة هنا في لسان العرب تأتي بمعنى الخصومة والمنازعة والمماراة؛ فالمعنى: لا داعي للمخاصمة والجدل العقيم؛ لأن الحق قد ظهر بيانه وسطعت أنواره، ولم يبق إلا العناد والمكابرة، فلنشتغل بالعمل ولتكن محكمة العدل الإلهي في المعاد هي الفاصلة.
عالمية العدل الإسلامي: قوله: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} نص قاطع على أن العدل في الإسلام واجب مطلق تجاه كل إنسان؛ مؤمناً كان أو كافراً، قريباً أو بعيداً؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بمحاباة قومه ولا بمجاملة أتباعه، بل بالعدل المحيط المطلق الذي لا يعرف المحاباة.