بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 566)جامع البيانالطبري٢١/٥٦٦ أن هذا مشهد من مشاهد القيامة يُرى عياناً؛ فالمعنى: تشاهد يا محمد ويشاهد الرائي يوم القيامة هؤلاء المشركين الظالمين خائفين وجلين مرعوبين مما كسبوا في الدنيا من الآثام والشرك والمعاصي، حذرين من عقوبتها، {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ}: وحال العذاب أنه نازل بهم لا محالة ولا دافع له عنهم، فلا ينفعهم إشفاقهم ولا خوفهم في ذلك اليوم بعد فوات الأوان.
وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ}: فسرها ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 196)مصدر غير محدد٧/١٩٦ بأن أهل الإيمان والعمل الصالح يتقلبون في أطيب بقاع الجنة وأزكاها وأشرفها وأنضرها، والروضة هي الموضع المخضر البهيج الذي تتفجر فيه الأنهار وتطيب فيه المناظر، {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ}: يظفرون بكل ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم، {ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}: الذي لا يقاس به فضل، ولا يوازيه عطاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَرَى}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والرؤية بصرية.
{الظَّالِمِينَ}: مفعول به أول منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{مُشْفِقِينَ}: حال منصوبة بالياء (أو مفعول به ثان لترى إن جعلت قلبية علمية)، والإشفاق خوف مقرون بالذل والترقب.
{مِمَّا كَسَبُوا}: جار ومجرور وصلة متعلق بمشفقين؛ أي من وبال أعمالهم التي اقترفوها.
{وَهُوَ}: الواو حالية، وهو ضمير منفصل مبتدأ عائد على العذاب أو وبال ما كسبوا.
{وَاقِعٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{بِهِمْ}: متعلق بواقع، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لحتمية النكال.
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، والذين اسم موصول مبتدأ.
{آمَنُوا}: فعل ماض وفاعل، والجملة صلة الموصول.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف عليها.
{فِي رَوْضَاتِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والروضات جمع روضة وهي الأرض المخضرة بالرياحين والمياه.
{الْجَنَّاتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{لَهُمْ}: متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
{يَشَاءُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة ما، وجملة لهم ما يشاءون في محل رفع خبر ثان للذين آمنوا أو مستأنفة.
{عِنْدَ رَبِّهِمْ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال، وربهم مضاف إليه والهاء مضاف إليه.
{ذَلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ واللام للبعد والكاف للخطاب.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ ثان.
{الْفَضْلُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْكَبِيرُ}: نعت للفضل مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل التصويري العظيم بين مشهدي العذاب والنعيم؛ ليرى السامع بعين البصيرة التمايز المطلق بين الفريقين؛ فالأولون يرتجفون رعباً من أعمالهم والعذاب يطبق عليهم، والآخرون ينعمون في رياض الفردوس المطلقة ينالون كل ما تطلبه مشيئتهم.
تناسب الإشفاق في الدارين: في الآية (18) كان المؤمنون في الدنيا {مُشْفِقُونَ مِنْهَا} خوفاً من الله وعملاً، فكان جزاؤهم الأمن التام في الجنات؛ أما الكفار فكانوا يستعجلونها استهزاءً، فصاروا يوم القيامة {مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا} ولكن حين لا ينفع الإشفاق!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فوات أوان الخوف في الآخرة: تبين الآية حقيقة نفسية وعقلية حاسمة؛ فالخوف والإشفاق إنما ينفع إذا وقع في دار التكليف والعمل؛ لأنه يحمل على التوبة والاستقامة، أما إذا وقع بعد انكشاف الغطاء ورؤية العذاب فهو خوف عجز وندم لا يقدم ولا يؤخر، والعذاب واقع بهم حتماً.
الجمع بين العمل الصالح ومحض الفضل الإلهي: مع أن المؤمنين دخلوا الجنة بـ {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، ختم الآية بتقرير أن هذا النعيم إنما هو {الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}؛ ليعلم أن الجزاء ليس معادلاً للأعمال في القيمة، بل عمل العبد المحدود في سنوات معدودة جُوزي بخلود أبدي في روضات الجنات ونيل كل ما يشاء، وهذا عين الفضل الإلهي العظيم.