بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 606)جامع البيانالطبري٢١/٦٠٦ أن قوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ}: أي ولمن تجلد واحتسب وصبر على أذى الناس وظلمهم إياه، وغفر لهم إساءتهم وتجاوز عن حقه، {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}؛ أي لمن الأمور المشكورة المعزومة الحميدة التي ندب الله إليها عباده وعزم عليهم فعلها، والتي لا يوفق لها إلا أهل البصائر وأولو العزم والهمم العالية.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 210)مصدر غير محدد٧/٢١٠ عن الإمام الحسن البصري ومقاتل أن الصبر على الإساءة والصفح عنها شيمة الأنبياء والصديقين، وهو ذروة مكارم الأخلاق التي يرفع الله بها صاحبها درجات في الدنيا والآخرة.
وجاء في الحديث الشريف في صحيح مسلم (رقم 2588)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٨٨ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَزْمِ الْأُمُورِ}: العزم: عقد القلب وتصميمه على إمضاء الأمر والجد فيه، وعزم الأمور: الأمور المؤكدة المطلوبة شرعاً التي تحتاج إلى همة قوية وصبر عظيم لتنفيذها.
الإعراب:
{وَلَمَنْ}: الواو استئنافية أو عاطفة، اللام لام الابتداء تفيد التوكيد، {مَنْ}: اسم شرط جازم أو اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{صَبَرَ}: فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط (أو صلة الموصول)، والفاعل مستتر تقديره هو.
{وَغَفَرَ}: الواو عاطفة، فعل ماض معطوف.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{ذَلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل نصب اسم إن، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{لَمِنْ}: اللام المزحلقة تفيد التوكيد، {مِنْ}: حرف جر.
{عَزْمِ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر إن.
{الْأُمُورِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط (أو خبر من)، وجملة الشرط والجواب خبر المبتدأ من.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج الدرجات الأخلاقية الثلاث: الآيات نسجت تدرجاً تشريعياً وأخلاقياً فريداً في ثلاث خطوات:
الترغيب في الصبر والمغفرة واعتبارها من معالي الأمور {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (مرتبة الإحسان والكمال).
اقتران الصبر بالمغفرة: لأن الغفران الحقيقي لا يتم إلا بالصبر على مرارة الإساءة وقهر رغبة التشفي؛ فالصبر وقود المغفرة.
توكيد الجملة بثلاث مؤكدات: لام الابتداء {وَلَمَنْ}، و{إِنَّ}، واللام المزحلقة {لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} للدلالة على عظمة هذا الخلق وصعوبته على النفوس إلا لمن أعانه الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المقارنة بين موضع الشورى وموضع لقمان: في سورة لقمان قال: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} بدون لام في الخبر، وهنا قال: {لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} بزيادة اللام المؤكدة، والسر البياني: أن الصبر في سورة لقمان صبر على النوائب والأقدار أو الأذى العام في الدعوة، أما الصبر هنا فهو صبر على ظلم معتدٍ مقترن بمغفرة الجرم والعفو عنه مع القدرة على الانتصاف، وهو أشق على النفس البشرية وأثقل في ميزان المجاهدة، فاستحق توكيداً زائداً باللام.
الفرق بين العفو السلبي والعفو الإيجابي: العفو هنا صادر عن قوة وعزم وتحكم في الشهوات، وليس عن خور أو رضى بالضيم؛ فالعبد يملك الانتصار بحكم الآية الأولى، لكنه يختار الصبر والمغفرة طوعاً طلباً لمرضاة الله.