بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 539)جامع البيانالطبري٢١/٥٣٩ أن هذه الآية الكريمة تقرر أصلاً جامعاً في رد النزاع والتحاكم إلى الله تعالى؛ فالمعنى: وما تنازعتم فيه واختلفتم فيه أيها الناس من أمور دينكم وعقائدكم وشرائعكم وأحكام معاملاتكم، فإن المرجع فيه والفصل العدل فيه مردود إلى الله تعالى، يحكم بينكم في الدنيا بما أنزل في كتابه على لسان نبيه، ويحكم بينكم في الآخرة بعدله وقضائه فيثيب المحق ويعاقب المبطل.
وفسر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 190)مصدر غير محدد٧/١٩٠ قوله: {فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}: أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة رسوله؛ كقوله تعالى في سورة النساء: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
وقوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}: قل يا محمد: هذا الحاكم العادل المالك للأمر كله هو الله ربي وخالقي، عليه وحده توكلت في سائر أموري وفوضت إليه شأني، وإليه أرجع بالتوبة والإنابة والاستسلام لحكمه وقضائه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو استئنافية، و(ما) شرطية جازمة (أو موصولة متضمنة معنى الشرط) في محل رفع مبتدأ.
{اخْتَلَفْتُمْ}: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل والميم للجمع.
{فِيهِ}: متعلق باختلفتم.
{مِنْ شَيْءٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من (ما) لبيان الإبهام والعموم التام.
{إِلَى اللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ حكمه، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط (أو خبر الموصول ما).
{ذَلِكُمُ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب والميم للجمع.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة خبر أول أو بدل من اسم الإشارة مرفوع بالضمة للتعظيم.
{رَبِّي}: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء مضاف إليه.
{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}: عليه جار ومجرور متعلق بتوكلت قدم لإفادة الحصر والقصر، وتوكلت فعل ماض والتاء فاعل.
{وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}: الواو عاطفة، وإليه متعلق بأنيب قدم للحصر، وأنيب فعل مضارع مرفوع بالضمة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا. والإنابة هي الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة وإخلاص العمل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص التشريعي والعقدي الفاصل يؤسس مرجعية الحاكمية والتشريع في المجتمع الإنساني؛ فلما بيّن في الآيات السابقة اختلاف الناس وانقسامهم، وأن من دون الله أولياء باطلين، قرر هنا أن المرجع الفاصل لإنهاء كل خصومة ونزاع فكري أو عملي هو حكم الله وحده المعصوم.
الربط بين الحكم والتوكل والإنابة: الحاكم هو المربي {اللَّهُ رَبِّي}، ومن سلم بحكمه لزمه التوكل عليه في تنفيذ أمره {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}، والإنابة إليه في كل نائبة {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}؛ فالتأمت أركان التوحيد: الحاكمية، والتوكل، والعبادة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان التحاكم إلى القوانين الوضعية الجائرة وأهواء البشر: تقرر الآية أصلاً قطعياً في الحاكمية الشرعية؛ فكل نزاع واختلاف يقع بين البشر في العقائد أو الدماء أو الأموال أو الفروج لا يجوز فضه بالأهواء والآراء المجردة ولا بالقوانين التي تخالف شرع الله، بل الواجب رده إلى حكم الله؛ لأن البشر قاصرون، تتقلب أهواؤهم وتتنازعهم مصالحهم، والله هو الحكيم العليم المحيط الذي يضع موازين القسط دون محاباة ولا جور.
عموم النزاع المردود إلى حكم الله {مِنْ شَيْءٍ}: نكرة في سياق الشرط تفيد العموم القاطع؛ فكل مسألة كبرت أو صغرت في الأصول والفروع فحكمها مستفاد من نصوص كتاب الله وسنة رسوله نصاً أو استنباطاً وقاعدياً.
تقديم المعمولين {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}: إفادة الحصر والقصر؛ أي لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب ولا أرجع إلا إليه وحده؛ لتحقيق كمال إخلاص العبودية والتوكل.
الإشارة بـ {ذَلِكُمُ}: للتعظيم وتفخيم شأن الرب الحاكم المعبود سبحانه.
اقتران الماضي في {تَوَكَّلْتُ} بالمضارع في {أُنِيبُ}: للدلالة على ثبات التوكل واستقراره أصلاً راسخاً، وتجدد الإنابة واستمرارها في كل لمحة ونفس وحال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب التحاكم إلى شرع الله في كل صغيرة وكبيرة، والرضا التام بحكم الكتاب والسنة وإن خالف الهوى والمألوف.
جمع القلب بين التوكل الصادق على الله والإنابة المستمرة إليه بالتوبة والاستغفار.
إعلان الاعتزاز بالربوبية الإلهية: «رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً».