فسر الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 590)جامع البيانالطبري٢١/٥٩٠ قوله: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ}: أي يهلكهن؛ يقال: وبق الرجل يَبِق وبوقاً إذا هلك، وأوبقه غيره إذا أهلكه؛ والمعنى: أو إن يشأ الله يهلك هذه السفن وركابها بالغرق في لجج البحار بسبب ذنوب ركابها وما كسبت أيديهم من المعاصي والآثام، ويعفو عن كثير من ذنوبهم فلا يعاقبهم عليها ولا يغرقهم.
وقال قتادة والضحاك: الإيباق هنا هو التغريق والكسر بعواصف الرياح والأمواج العاتية جزاء معاصيهم.
وأكد ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 204)مصدر غير محدد٧/٢٠٤ أن هذا تقسيم لقدرة الله وتصرفه في هذه السفن: إما أن يسيرها برفق، أو يسكن الريح فتركد، أو يرسل عليها ريحاً عاصفاً فيهلكها بما كسب أهلها، ومع ذلك فعفوه سبحانه عن كثير من سيئاتهم يمنع هلاكهم الدائم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُوبِقْهُنَّ}: الإيباق: الإهلاك والحبس على الهلاك، ومنه الموبقات؛ أي: المهلكات، كما في الحديث: "اجتنبوا السبع الموبقات".
الإعراب:
{أَوْ}: حرف عطف يفيد التقسيم والترديد.
{يُوبِقْهُنَّ}: فعل مضارع مجزوم بالعطف على {يُسْكِنِ} في جواب الشرط السابق ({إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ... أَوْ يُوبِقْهُنَّ})، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والنون علامة جمع الإناث تعود على الجواري.
{بِمَا}: الباء سببية، {مَا}: مصدرية أو موصولة في محل جر بالباء.
{كَسَبُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والعائد محذوف؛ أي: بما كسبوه من الآثام.
{وَيَعْفُ}: الواو عاطفة، {يَعْفُ}: فعل مضارع مجزوم بالعطف على {يُوبِقْهُنَّ} وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الواو)، والفاعل مستتر تقديره هو (وقرئ برفع ويعفو على الاستئناف).
{عَنْ كَثِيرٍ}: جار ومجرور متعلقان بيعفو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال التقسيم والتقابل الثلاثي: الآيات ترسم الأحوال الثلاثة لحركة السفن والملاحة:
الحالة الطبيعية المسخرة: الجريان الآمن الممتن به في الآية الأولى {الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ}.
حالة الحبس والركود: السكون التام العاجز {يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ}.
حالة الهلاك والدمار: العواصف والتغريق {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا}.
تكرار قيد العفو: التذكير بـ {وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} كما مر في الآية (30) يرسخ قاعدة الرحمة والفضل وأن النجاة ليست باستحقاق العبد بل بعفو الرب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هلاك الصالحين مع المذنبين في حوادث الغرق: قد يقال: إذا غرقت السفينة بالذنوب، فما ذنب الصالحين أو الأطفال الذين فيها؟ والجواب من الأثر والعقل: أن الهلاك الدنيوي إذا نزل عاماً لحكمة الابتلاء، فإن كل إنسان يبعث على نيته وعمله، كما ثبت في الصحيحين: "إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم"؛ فالغرق للمؤمن شهادة وطهارة، وللفاجر نقمة وحسرة.
رد شبهة الانتقام المحض: الله غني عن تعذيب خلقه، وإنما يعاقب بالعدل بعد قيام الحجة وظهور الفساد، ومع ذلك فعفوه يسبق غضبه.
الجزم بحذف العلة في {وَيَعْفُ}: يعطي إيقاعاً صوتياً مقتضباً يناسب مقام الجلال وسرعة النجاة بالعفو الإلهي.
الإشارة التدبرية: البحر مرآة كاشفة لافتقار الإنسان؛ فالإنسان في البحر يعاين الموت رأي العين، فإذا تذكر ذنوبه أدرك أن العفو الإلهي هو طوق النجاة الوحيد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب التوبة وإصلاح السرائر عند ركوب الأهوال ومزاولة الأسباب الخطرة.
استشعار فضل الله في السلامة من حوادث السير والغرق والكوارث؛ فكم من مهلكة صرفها الله عنا بفضله وعفوه.
ربط الأحداث الكونية والجوية بالإيمان؛ فلا يجوز النظر إلى الكوارث كظواهر مادية منفصلة عن إرادة الله وسننه في معاقبة العصاة وابتلاء المؤمنين.