بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 620)جامع البيانالطبري٢١/٦٢٠ أن هذه الآية العظيمة تؤصل الطرق الثلاثة التي يكلم الله بها عباده من البشر، ونقل سبب نزولها عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى؟ فنزل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}.
وبيّن المحققون من المفسرين (ابن كثير، ج 7، ص 216؛ والقرطبي، ج 16، ص 49) الأقسام الثلاثة:
{إِلَّا وَحْيًا}: وهو ما يقذفه الله في قلب النبي من الإلهام أو الرؤيا الصادقة في المنام؛ فرؤيا الأنبياء وحي، كنحو ما رأى إبراهيم في ذبح إسماعيل عليهما السلام.
{أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ}: وهو أن يسمع كلام الله حقيقة ولكن من وراء حجاب من غير رؤية للذات العلية في الدنيا؛ كما كلم الله موسى بن عمران عليه السلام عند الطور، وكما كلم نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج عند فرض الصلوات.
{أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا}: وهو إرسال رسول ملكي كجبريل عليه السلام ينزل بالوحي فيوحي إلى الرسول البشري بإذن ربه ما يشاء الله أن يبلغه.
وقوله: {إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}: عليّ بذاته وصفاته وقدره وقهره عن مماثلة خلقه ومخاطبتهم خطاباً دنيوياً مباشراً يقتضي زوال الحجاب، حكيم في تدبيره وطرق إيصال وحيه بما يناسب الطاقة البشرية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حِجَابٍ}: الحجاب: الساتر والحائل الذي يمنع الرؤية، وحجاب الله النور كما ثبت في الحديث: "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (صحيح مسلم، رقم 179)صحيح مسلممسلمحديث رقم ١٧٩.
الإعراب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، {مَا}: نافية.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{لِبَشَرٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان مقدم.
{أَنْ يُكَلِّمَهُ}: {أَنْ}: مصدرية ناصبة، {يُكَلِّمَهُ}: فعل مضارع منصوب، والهاء مفعول به، والمصدر المؤول في محل رفع اسم كان مؤخر.
{اللَّهُ}: فاعل يكلمه مرفوع بالضمة.
{إِلَّا}: أداة استثناء ملغاة للحصر.
{وَحْيًا}: مفعول مطلق لفعل محذوف، أو مصدر في موضع الحال (أي موحياً)، أو منصوب على نزع الخافض (أي إلا بأن يوحي وحياً).
{أَوْ}: حرف عطف للتقسيم.
{مِنْ وَرَاءِ}: جار ومجرور معطوفان على المعنى أو حال ثانية، وهو مضاف، {حِجَابٍ}: مضاف إليه مجرور.
{أَوْ يُرْسِلَ}: {أَوْ}: عاطفة، {يُرْسِلَ}: فعل مضارع معطوف على {يُكَلِّمَهُ} منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر (وقرئ بالرفع على الاستئناف: ويرسلُ رسولاً).
{رَسُولًا}: مفعول به منصوب (وهو جبريل عليه السلام).
{فَيُوحِيَ}: الفاء سببية أو عاطفة، فعل مضارع منصوب بأن مضمرة أو معطوف، والفاعل مستتر يعود على الرسول الملكي.
{إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}: إن واسمها وخبرها الأول والثاني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج مقاصد السورة بتقرير حقيقة الوحي: السورة افتتحت ببيان الوحي: {كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وجاءت هذه الآية في ختامها لتفصل الكيفيات الإلهية الحكيمة لنزول هذا الوحي وصوره.
الرد على تعنت المشركين واليهود: الذين طالبوا برؤية الله ومخاطبته عياناً جهلاً منهم بعظمة الذات الإلهية وضعف الطبيعة البشرية في هذه الدار الفانية.
ختم الآية بـ {عَلِيٌّ حَكِيمٌ}: انسجام تام مع سياق التنزيه؛ فعلوه يمنع من أن يحيط به البشر أو يكلموه دون واسطة في الدنيا، وحكمته اقتضت إيصال الهداية بتلك الوسائل المصونة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات صفة الكلام لله تعالى على مذهب أهل السنة: تقرر الآية الصريحة أن الله يكلم البشر حقيقة بصوت وحرف يسمعه من يشاء، كما كلم موسى عليه السلام {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا}، والرد الحاسم على الجهمية والمعتزلة الذين أنكروا كلام الله أو زعموا أنه مخلوق؛ فالآية أثبتت التكليم منه سبحانه حقيقة، وجعلت إرسال الرسول قسماً واحداً من أقسام التكليم، ولو كان كلامه مخلوقاً في الشجرة أو جبريل لما كان لموسى خصوصية ولا صح التقسيم الثلاثي.
مسألة رؤية الله في الدنيا: أجمع أهل السنة على أن الله تعالى لا يراه أحد من البشر في الدنيا يقظة؛ لعجز الأبصار البشرية عن احتمال نوره وعظمته في دار الابتلاء، وتكون الرؤية للمؤمنين في جنات النعيم كرامة وزيادة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}.