أوضح الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 589)جامع البيانالطبري٢١/٥٨٩ أن المعنى: إن يشأ الله القادر يسكن الريح التي تجري بها هذه السفن، فتبقى واقفات حابسات لا تجري ولا تتقدم ولا تتأخر على وجه الماء وظهره، فيتعطل سيرها وتهلك أسباب نفعها.
وبيّن ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 203)مصدر غير محدد٧/٢٠٣ أن قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} يعني: إن في تسخير الرياح تارة وإسكانها تارة، وتسيير السفن وحبسها، لدلائل وبراهين واضحة على قدرة الله ولطفه لكل مؤمن يتصف بهذين الوصفين الجليلين: صبار عند الشدائد والبلايا، شكور عند الرخاء والنعماء.
وروى البيهقي في (الشعب) عن مطرف بن عبد الله الشخير قال: "نعم العبد الصبار الشكور؛ الذي إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر"، وجاء في الحديث الصحيح في صحيح مسلم (رقم 2999)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٩٩: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُسْكِنِ}: الإسكان: إيقاف الحركة والتهدئة، والريح تسكن إذا هدأت وتلاشت قوتها الدافعة.
{رَوَاكِدَ}: جمع راكدة، والركود: الثبوت والجمود وعدم الحركة، يقال: ركد الماء إذا سكن وثبت.
{ظَهْرِهِ}: الظهر: وجه الماء السطحي المشاهد.
{صَبَّارٍ شَكُورٍ}: صيغتا مبالغة من الصبر والشكر، للدلالة على ملازمة هاتين الخصلتين وعمقهما في النفس.
الإعراب:
{إِنْ}: حرف شرط جازم.
{يَشَأْ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره هو.
{فَيَظْلَلْنَ}: الفاء عاطفة تفيد السببية، {يَظْلَلْنَ}: فعل مضارع ناقص مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل جزم بالعطف على جواب الشرط، ونون النسوة اسمه.
{رَوَاكِدَ}: خبر يظللن منصوب بالفتحة.
{عَلَى ظَهْرِهِ}: جار ومجرور متعلقان برواكد، والهاء مضاف إليه تعود على البحر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز شروط النعمة ومظاهر القهر: السفينة لا تجري بنفسها بل بريح مسخرة، فإذا سكن المحرك تعطل الأثر، وهذا يبرز أن النعم مرتبطة بمشيئة الله وحفظه في كل طرفة عين.
التعبير بـ {ظَهْرِهِ}: تصوير بديع يجعل البحر كالدابة الذلول التي يركب الإنسان ظهرها، فإذا سكنت الريح بقيت السفن جامدة حائرة لا تملك حراكاً.
التذييل بالوصفين {صَبَّارٍ شَكُورٍ}: لأن أحوال البحر والسفر كأحوال الحياة الدنيا برمتها؛ تتقلب بين ضر يحتاج إلى الصبر، ورخاء يتطلب الشكر؛ فالإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
عموم الدلالة لوسائل النقل الحديثة: قد يظن ظان أن هذه الآية خاصة بالسفن الشراعية القديمة التي تعتمد على الرياح دون البواخر الحديثة التي تعمل بالمحركات النووية أو الوقود، والرد: أن الرياح وتقلباتها والأعاصير البحرية ما زالت حتى اليوم تتحكم في حركة الملاحة وتوقف أعظم ناقلات النفط وتغرقها، فضلاً عن أن سائر المحركات تعمل بالهواء والضغط والأكسجين المستمد من الغلاف الجوي؛ فلو سكن الهواء واختلت نسبه لتعطلت سائر المحركات، فالآية تقرر أصلاً كلياً في تعليق حركة المخلوقات بمشيئة الخالق.
وجه تخصيص الصبار الشكور بالاعتبار: مع أن الآيات معروضة لكل ناظر، لكن الانتفاع بها مخصوص بمن جمع بين الصبر على الطاعات وعن المعاصي، والشكر على نعم الله؛ لأن غيرهما يعمى عن دلالة الآيات ويحسبها صدفاً عابرة.
الاستعارة المكنية في {عَلَى ظَهْرِهِ}: حيث شبه البحر بحيوان له ظهر مستوٍ يركب عليه، وحذف المشبه به ودل عليه بشيء من لوازمه.
التقابل والازدواج البديعي في {صَبَّارٍ شَكُورٍ}: مبالغتان تدلان على أن خصال المؤمن الكمل ليست مجرد صبر عارض أو شكر سطحي، بل سجية ثابتة متجذرة.
الإشارة التدبرية: ركود السفن يذكر بركود الأحوال وانقطاع الأسباب الدنيوية عند نزول قضاء الله، فالمؤمن لا يركن إلى وسيلة ولا يعتمد على سبب إلا مع تعلقه برب الأسباب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق توازن النفس المؤمنة بين جناحي الإيمان: الصبر في البلاء، والشكر في النعماء.
اليقين بأن حركة الحياة وتيسير الأعمال منوط بلطف الله وتوفيقه؛ فكم من مشروع عظيم توقف وركد لعطل يسير لم يكن في الحسبان.
دوام الاستغفار واللجوء إلى الله أثناء السفر وتقلبات الأسفار؛ فإن المسافر مضطر يرجو رحمة ربه ويخشى بأسه.