بين الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 586)جامع البيانالطبري٢١/٥٨٦ أن معنى الآية: لستم أيها المشركون بمعجزي ربكم هرباً في أقطار الأرض، ولا فائتين إياه إذا أراد عقوبتكم، فلا تحسبوا أن في مقدوركم الإفلات من قبضة سلطانه أو النجاة من قضائه؛ وما لكم إذا حل بكم سخطه من ولي يتولى أموركم بالرعاية، ولا نصير يدفع عنكم بأسه وعذابه.
وذكر ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 202)مصدر غير محدد٧/٢٠٢ أن هذا قطع لأطماع المشركين في آلهتهم وأندادهم، وإعلان صريح بأن الخلق كلهم عاجزون مقهورون تحت مشيئة الله وقدرته، فلا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.
وأوضح السعدي في (تفسيره، ص 759)مصدر غير محدد٧٥٩ أن نفي المعجزين ونفي الولي والنصير يوجب على العاقل أن يقطع تعلقه بالمخلوقين ويفر إلى الله وحده تائباً منيباً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِمُعْجِزِينَ}: الإعجاز في اللغة: الفوت والسبق وجعل الآخر عاجزاً عن الإدراك، يقال: أعجز فلان فلاناً إذا فاته ولم يقدر عليه.
{مِنْ دُونِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، {اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{مِنْ}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{وَلِيٍّ}: مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر.
{وَلَا نَصِيرٍ}: الواو عاطفة، {لَا}: لتأكيد النفي، {نَصِيرٍ}: معطوف على لفظ ولي مجرور.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام الحجة بعد ذكر أسباب العقوبة: لما بين أن المصائب تقع بكسب الأيدي وأن العفو من فضل الله، حذر المعاندين من أن يظنوا أن نجاتهم من بعض العقوبات هو لعجز في القدرة الإلهية، فقطع هذا الوهم بنفي الإعجاز قطعاً باتاً.
تكرار أحرف التوكيد ونفي النصير: استخدام صيغة الجمع وحروف الجر الزائدة {بِمُعْجِزِينَ} و{مِنْ وَلِيٍّ} لاستيعاب سائر صور الالتجاء إلى غير الله وإبطالها بالكلية.
انسجامها مع مطلع السورة: حيث تقرر في مطلعها أن الله هو العزيز العليم وأن له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض وهم الحصون والتحصينات المادية: قد يتوهم الطغاة أن ترساناتهم وجيوشهم ومعاقلهم تحميهم من قدر الله وسننه في هلاك الظالمين، والآية تحسم بأن الأرض كلها بكل أقطارها وحصونها لا تعجز أمر الله ولا تعصم هارباً من عقابه.
بطلان دعوى الشفاعة المزعومة للأنداد: كان المشركون يقولون: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}، فنصت الآية على أنه ليس لهم من دونه ولي يدبر أمرهم ولا نصير يحميهم، مما يسقط كل وثنية عقلية أو عملية.
تأكيد النفي بالباء الزائدة في خبر النفي: {بِمُعْجِزِينَ} لإفادة المبالغة في استحالة الفوت والعجز.
التعبير بـ {فِي الْأَرْضِ}: تقييد دال على عجز الإنسان المحصور في هذه الرقعة الصغيرة من الملكوت، فكيف يطمع في إعجاز خالق الأكوان؟
الإشارة التدبرية: تحقيق التجريد والتوحيد الخالص؛ فإذا علم العبد أنه لا ولي له ولا نصير إلا الله، انصرفت همته بالكلية إلى طاعته وطلب رضاه والالتجاء إلى جنابه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلوب من الخوف من المخلوقين؛ فالخلق كلهم عاجزون لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضراً ولا نصراً.
صدق التوكل والاعتماد على الله وحده، والتبرؤ من الحول والقوة الذاتية.
اليقين بأن ميزان القوى الحقيقي بيد الله، فلا يغتر مؤمن بصولات الباطل المؤقتة.