بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 594)جامع البيانالطبري٢١/٥٩٤ أن الله جل ثناؤه يزهّد عباده في حطام الدنيا الفاني، ويرغبهم في نعيم الآخرة الباقي؛ فكل ما أُعطيتم من أموال وأولاد وجاه وزينة ورياش في هذه الدنيا إنما هو بلغة يسيرة ومنفعة زائلة سريعة النفاد كمتعة الراكب، وما عند الله من النعيم المقيم والكرامة في دار الخلد خير في صفته وجوهره وأبقى في دوامه وخلوده للمؤمنين الصادقين المتوكلين على ربهم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 205)مصدر غير محدد٧/٢٠٥ حديث المستورد بن شداد الفهري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبابة- في اليمّ، فلينظر بم ترجع؟" (أخرجه مسلم، رقم 2858)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٥٨.
وأوضح ابن عاشور في (التحرير والتنوير، ج 25، ص 106)التحرير والتنويرابن عاشور٢٥/١٠٦ أن الآية تفتتح ميثاقاً إيمانياً وأخلاقياً رفيعاً يتضمن تسع خصال عظيمة للمؤمنين، بدئت بأصل الأصول: الإيمان والتوكل، ثم التزهيد في العاجلة لطلب الآجلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَتَاعُ}: المتاع: كل ما يتمتع به وينتفع به زمناً يسيراً ثم يزول ويفنى، ومنه متاع البيت كالأواني والثياب.
{أَبْقَى}: اسم تفضيل من البقاء، وهو الخلود والدوام الذي لا ينقطع ولا يفنى.
الإعراب:
{فَمَا}: الفاء فصيحة، {مَا}: اسم شرط جازم أو موصول في محل رفع مبتدأ.
{أُوتِيتُمْ}: فعل ماض مبني للمجهول في محل جزم فعل الشرط (أو صلة الموصول)، والتاء ضمير متصل نائب فاعل.
{فَمَتَاعُ}: الفاء واقعة في جواب الشرط أو رابطة للخبر، {مَتَاعُ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فهو متاع)، أو خبر ما، و{مَتَاعُ} مضاف، و{الْحَيَاةِ}: مضاف إليه مجرور.
{الدُّنْيَا}: نعت للحياة مجرور بالكسرة المقدرة.
{وَمَا}: الواو عاطفة، {مَا}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{عِنْدَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، {اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{وَأَبْقَى}: معطوف مرفوع بالضمة المقدرة.
{لِلَّذِينَ}: جار ومجرور متعلقان بخبر أو بأبقى.
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها.
{يَتَوَكَّلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الاستدلال الكوني إلى التزكية الأخلاقية والاجتماعية: بعد تثبيت التوحيد ودلائل القدرة والمصير، شرع السياق في رسم معالم الشخصية الإسلامية والمجتمع القرآني المتماسك.
تقديم صفة الإيمان والتوكل: لأن التوكل هو تفويض الأمر لله والاعتماد عليه في تحصيل المنافع ودفع المضار، وهو الأساس الذي تنبني عليه سائر مكارم الأخلاق والجهاد والصبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تحريم متاع الدنيا أو الرهبانية: قد يظن البعض أن وصف الدنيا بالمتاع يقتضي تحريم ملاذها وترك عمارتها، والرد العقلي الشرعي: أن الإسلام لا يحرم الطيبات ولا ينهى عن السعي في الرزق، وإنما ينهى عن الركون إليها واعتقاد أنها الغاية والمنتهى؛ فالمؤمن يجعل الدنيا في يده لا في قلبه، ويستعين بنعمها على طاعة خالقها.
المعيار العقلي في تفضيل الباقي على الفاني: العقل الصريح يوجب اختيار الباقي على الفاني والكامل على الناقص؛ فكيف إذا كان الدنيوي مشوباً بالهموم والمنغصات سريع الزوال، والأخروي خالصاً دائم النعيم؟