بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 600)جامع البيانالطبري٢١/٦٠٠ أن المعنى: والذين إذا اعتدى عليهم معتدٍ بالظلم والبغي والعدوان لم يستكينوا ولم يذلوا، بل ينتصرون لأنفسهم برد البغي بالعدل ودفع الظلم وإقامة القصاص المشروع من غير عدوان ولا مجاوزة للحد.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 207)مصدر غير محدد٧/٢٠٧ عن إبراهيم النخعي رحمه الله قال: "كانوا يكرهون أن يُستذلوا، فإذا قدروا عفوا"، والمعنى: أنهم إذا اعتدى عليهم باغٍ لم يخضعوا لخطة الخسف والذل فيصيبهم الهوان، بل يظهرون عزة الإيمان والقدرة على دفع العدوان، فإذا استمكنوا من خصمهم وأظهروا العزة اختاروا العفو طلباً لوجه الله.
وقال القرطبي في (تفسيره، ج 16، ص 38)مصدر غير محدد١٦/٣٨: هذا وصف لشجاعة المؤمنين وإبائهم للضيم، فالإسلام لا يرضى لأتباعه أن يكونوا أذلاء مستضعفين يستمرئون الهوان، بل أوجب عليهم التماسك والانتصار للحق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْبَغْيُ}: البغي: الظلم ومجاوزة الحد والاستطالة بالقهر والعدوان.
{يَنْتَصِرُونَ}: الانتصار: دفع الظلم والانتقام بالحق طلباً للنصرة ومنع العدوان.
الإعراب:
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة، اسم موصول مبني في محل رفع معطوف على ما تقدم.
{إِذَا}: ظرف متضمن معنى الشرط.
{أَصَابَهُمُ}: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل مفعول به، والميم للجمع.
{الْبَغْيُ}: فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر مضاف إليه.
{يَنْتَصِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة خبر هم، وجملة المبتدأ والخبر جواب إذا لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل صفات الأمة المجاهدة العزيزة: بعد أن ذكر الحلم والغفران عند الغضب في الآية (37)، ذكر هنا الانتصار عند البغي؛ لئلا يُظن أن الغفران والصفح معناه الاستسلام للظلم والهوان.
الجمع بين الحلم والعزة: الحلم يكون في حق النفس عند الغضب الشخصي، أما إذا كان البغي عدواناً عاماً يمس الدين أو الحرمات أو كرامة الأمة، فإن الواجب هو الانتصار ودحر الباطل.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع توهم التناقض بين المغفرة والانتصار: قد يزعم طاعن أن هناك تعارضاً بين قوله: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} وقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}، والرد البياني والعقلي: لا تعارض إطلاقاً؛ فمقام الغضب في الأمور الخاصة يسعها الحلم والصفح وهو فضل، ومقام البغي والعدوان السافر من المعتدين يوجب القوة والردع لحفظ النظام وحماية الأمة؛ فالمؤمن حليم رحيم في خاصة أمره، عزيز صنديد في وجه العدوان والبغي.
نبذ الرهبانية والاستسلام الذليل: الآية ترد على النظريات الهدامة التي تدعو المظلوم إلى التنازل عن حقه والاستسلام للجائرين؛ فالأمة التي تستمرئ الذل تفقد أهليتها للشهادة على الناس وعمارة الأرض.