بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 607)جامع البيانالطبري٢١/٦٠٧ أن المعنى: من يضلله الله عن سبيل الرشاد بسبب عناده وإعراضه واختياره للباطل، فليس له أحد يتولى هدايته أو يدبر أمره أو ينقذه من الهلاك من بعد إضلال الله له، وترى أيها الرائي هؤلاء الظالمين المعتدين حين يعاينون عذاب جهنم يوم القيامة يتحسرون ويتمنون الرجوع إلى دار الدنيا ليؤمنوا ويعملوا صالحاً، قائلين في ذل وانكسار: هل لنا من طريق نرد به إلى الدنيا؟
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 210)مصدر غير محدد٧/٢١٠ أن هذا الندم يأتي في غير حينه؛ فلا جواب لهم ولا رجعة، كما قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ}، وقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
وأشار ابن عاشور في (التحرير والتنوير، ج 25، ص 119)التحرير والتنويرابن عاشور٢٥/١١٩ إلى أن الاستفهام في {هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ} استفهام تمنٍّ وتلهف حائر؛ لفرط ما غشيهم من الرعب واليأس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَرَدٍّ}: المرد: مصدر ميمي بمعنى الرد والرجوع إلى الدنيا، أو اسم مكان للموضع الذي يُردون إليه.
الإعراب:
{وَمَنْ}: الواو استئنافية، {مَنْ}: اسم شرط جازم مبني في محل نصب مفعول به مقدم ليضلل (أو مبتدأ).
{يُضْلِلِ}: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
{فَمَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، {مَا}: نافية مهملة لتقدم الخبر.
{سَبِيلٍ}: مجرور لفظاً مرفوع محلاً مبتدأ مؤخر، والجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترهيب الظالمين ببيان مصيرهم البائس: بعد أن أعلن أن السبيل والمؤاخذة على الظالمين، نقل المشهد إلى ساحة الآخرة لتصوير مآل هؤلاء الظالمين المرتجفين.
تكرار نفي الولي والنصير: تقرير قاطع بأن من انقطعت ولاية الله عنه باختياره الضلال فلن يجد من يتولاه في أهوال القيامة.
التحول من التقرير العام إلى الخطاب المشهدي المصور: {وَتَرَى الظَّالِمِينَ} يستحضر للمخاطب مشهد الذل والحسرة رأي العين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة إضلال الله وهدايته: أهل السنة والجماعة يقررون أن الله يهدي من يشاء بفضله وعدله، ويضل من يشاء بحكمته بعد أن اختار العبد الضلالة بملء إرادته وأعرض عن آيات الله؛ فإضلال الله للظالم هو خذلانه وتركه ونفسه جزاء وفاقاً لبغيه وعناده: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
استحالة الرجعة يوم القيامة: تمني الظالمين الرجوع محال بحكم العقل والشرع؛ لأن دار الدنيا دار عمل وتكليف، والآخرة دار جزاء وحساب، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما نطق القرآن في سورة الأنعام.